تعاني الإدارة الرياضية في ليبيا من خلل هيكلي عميق، وما نشهده اليوم من شغب جماهيري، وسوء تحكيم، وفوضى عارمة داخل الملاعب وخارجها ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة حتمية لمنظومة متكاملة تعاني من غياب التنظيم، والمحاسبة، وضعف مفرط في مؤسساتها.
لطالما اعتُبرت الرياضة رسالة أخلاقية وساحة للتنافس الشريف، إلا أن الواقع الليبي قلب هذه المفاهيم، ليصبح المشهد الرياضي مشبعاً بالتوتر والقرارات العشوائية والصراعات التي أضرت بصورة الكرة الليبية، وأبعدت الجماهير الحقيقية والمحبة للرياضة عن المدرجات. وتتضح صورة هذا الخلل جلياً في الضعف الشديد الذي يعتري اتحاد كرة القدم، والذي يقف عاجزاً عن ضبط الإيقاع وإدارة اللعبة باحترافية وحزم، تاركاً فراغاً إدارياً تتمدد فيه الفوضى.
ولعل الحادثة الكارثية التي وقعت في مباراة الاتحاد والسويحلي التي أقيمت بمدينة ترهونة هي الدليل القاطع على بلوغ هذه الفوضى ذروتها المرعبة. فبسبب سوء الإدارة وجدل حاد حول قرارات التحكيم، توقفت المباراة في الدقيقة 87 إثر احتجاجات قوية واقتحام لأرضية الملعب. ولم تتوقف الكارثة عند حدود الملعب وما رافقه من تدخل أمني واستخدام للسلاح وإصابات، بل امتدت شرارتها إلى العاصمة طرابلس، حيث قام مشجعون غاضبون بإشعال النيران في واجهة مبنى تابع لحكومة الوحدة الوطنية احتجاجاً على التحكيم! هذا المشهد العبثي والمروع، الذي بات يهدد بإلغاء بطولة الدوري بأكملها، لا يعكس فقط حالة الانهيار التام لسيادة القانون محلياً وعجز الدولة، بل يُمثل انتهاكاً صارخاً للوائح الفيفا لسلامة وأمن الملاعب، والتي تحظر منعاً باتاً حمل أو استخدام الأسلحة النارية والرصاص الحي داخل الملاعب أو في محيطها. الملاعب يفترض أن تكون مساحة للرياضة، وليست ساحة للحرب، والتخريب العشوائي وإطلاق الرصاص يعتبر انتهاكاً لحق الحياة ومخالفة صريحة للقانون الدولي.
وما يزيد المشهد قتامةً وألماً، أن هذا العنف المفرط ليس طارئاً أو جديداً على ملاعبنا. فالذاكرة الرياضية الليبية لا تزال مثقلة بندوب يوم الثلاثاء 9 يوليو 1996، في ما عُرف تاريخياً بـ"مباراة الرصاص". ففي ديربي طرابلس بين فريقي الاتحاد والأهلي طرابلس ضمن منافسات الدوري الليبي، غصّ ملعب 11 يونيو بأكثر من 50 ألف متفرج. وما إن أطلق الحكم صافرة النهاية، حتى خرج رجال الأمن من المنصة الشرفية إلى وسط الملعب وباشروا بإطلاق الرصاص الحي بشكل مباشر على الجماهير. المأساة الحقيقية تكمن في أنه لم يتم فتح أي تحقيق رسمي في هذه المجزرة حتى يومنا هذا، وسط ترجيحات قوية بأن هذا العمل الدامي كان بأوامر عليا من النظام السابق (معمر القذافي) لإلهاء الشارع والتغطية على أحداث مجزرة سجن أبو سليم التي سبقتها بعشرة أيام فقط (29 يونيو 1996). إن تكرار هذه الكوارث اليوم يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن المنظومة لم تتعافَ، وأن ثقافة الإفلات من العقاب وتوظيف الرياضة لأغراض مشبوهة هي المظلة التي تحمي استمرار هذا العبث بأرواح البشر والممتلكات العامة.
وتتعمق الأزمة حين نرى بعض الأندية تُمول بأموال الفساد، وتدار من قبل متنفذين في الدولة، أولويتهم تحقيق مصالحهم وبسط نفوذهم، وليس تطوير الرياضة. فمن الطبيعي، والحال هذه، أن تتفشى الفوضى والانقسام، لأن تدخل المصالح السياسية والمال المشبوه في الرياضة يقضي على العدالة والمنافسة الشريفة.
ويزيد الطين بلة دور إعلام الأندية والصفحات الجماهيرية على مواقع التواصل الاجتماعي، والذي بات يلعب دوراً سلبياً وخطيراً. فبدلاً من التهدئة ونشر الروح الرياضية، نرى العديد من هذه المنصات تُسهم بشكل ممنهج في تأجيج نار التعصب، وبث خطاب الكراهية، وتأليب الجماهير ضد بعضها البعض، مما ينعكس احتقاناً وعنفاً في الشارع الرياضي.
كل هذا يحدث في ظل ضعف وزارة الرياضة والحكومة بشكل عام، وعجزهما عن إيجاد حلول حقيقية للأزمات، أو فرض سيادة القانون ومحاسبة المتسببين في الفوضى. إن غياب الحزم والرقابة أدى إلى انفلات الوضع بالكامل، ليصبح كل طرف يسعى لمصلحته الشخصية ضارباً بعرض الحائط قيم الرياضة واحترام الجماهير ومؤسسات الدولة.
إن الاستمرار في هذا النهج يعرض الكرة الليبية لعقوبات دولية قاسية لا مفر منها. فلوائح الفيفا واضحة، وفي حال خروج الأمور عن السيطرة واستخدام القوة المفرطة، تتدرج العقوبات من الغرامات المالية وحرمان الجماهير، لتصل إلى استبعاد الملاعب والأندية، بل وتعليق أو إيقاف الاتحاد المحلي أو المسؤولين بالكامل. ويكفي أن نستذكر حوادث مأساوية ارتبطت بالعنف الأمني وسوء الإدارة، مثل مجزرة بورسعيد في مصر (2012) وكارثة كانجوروهان في إندونيسيا (2022)، لندرك حجم الكارثة التي ننزلق نحوها إذا لم يتم التحرك فوراً.
أمام هذا العجز المؤسسي والمحلي المتراكم منذ عقود، والوصول مجدداً إلى مرحلة حرق مؤسسات الدولة واستخدام السلاح في الملاعب، بات تدخل الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) أمراً لا مفر منه لإنقاذ الكرة الليبية. نحتاج إلى لجنة تسييرية دولية تفرض الانضباط وتعيد الهيكلة قبل أن تحدث كارثة أكبر تُزهق فيها الأرواح.
إننا بحاجة ماسة إلى ثورة حقيقية في الإدارة الرياضية: قوانين صارمة تُطبق على الجميع دون استثناء، تدخل حكومي جاد لإعادة الهيكلة ونزع السلاح من محيط الرياضة وتدريب قوات الأمن على إدارة الحشود بطرق سلمية وفعالة، اتحاد كرة قدم قوي ومستقل، ميثاق شرف إعلامي يضبط الخطاب الرياضي، وتحكيم عادل ونزيه.
بدون هذا الإصلاح الجذري، ستستمر عجلة الفوضى في الدوران. في الختام، يجب أن ندرك أن الرياضة لا تُبنى بالشعارات الرنانة، ولا بتأجيج المشاعر وترهيب الخصوم أو حرق مؤسسات الدولة، بل أساسها العدل، الانضباط، والاحترام المتبادل، وهو ما يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وإشرافاً دولياً مباشراً وفورياً، لضمان عدم تكرار مآسي الماضي والحاضر.
