Loading... | ... | 00:00

المراسلان الكفيفان في BBC: الكفاءة المهنية حين تكسر حواجز البيئة

مشاركة

 


أهلاً بكم أصدقاء ومتابعي مدونة عبدالسلام مصطفى شليبك (absi.cc). في عالم الصحافة التلفزيونية، يُعتقد دائماً أن الصورة والمشاهدة البصرية هما المعيار الأوحد لنقل الأحداث. لكن، من منظور حقوقي ومهني، ندرك تماماً أن الإعاقة ليست عجزاً في الفرد، بل هي نتيجة للحواجز البيئية والمجتمعية. عندما تتوفر "الترتيبات التيسيرية المعقولة" وتكافؤ الفرص، تبرز الكفاءة.

في قسم "شخصيات" لهذا اليوم، نسلط الضوء على نموذجين ملهمين في الإعلام الدولي، وهما الصحفيان والمراسلان في هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، غاري أودونوغو (Gary O'Donoghue) وشون ديلي (Sean Dilley). لقد أثبتا أن التميز الصحفي يعتمد على التحليل، سرعة البديهة، والوصول إلى المعلومات، وليس بالضرورة على حاسة البصر.



غاري أودونوغو: قراءة المشهد بالخبرة والتحليل

وُلد غاري أودونوغو في بريطانيا، وفقد بصره بالكامل تقريباً في طفولته. وفقاً للنموذج الاجتماعي للإعاقة، لم يكن فقدان البصر هو العائق، بل التحدي كان في إيجاد بيئة عمل دامجة. انطلق غاري في مجال الصحافة الإذاعية، وتدرج بفضل كفاءته واستحقاقه ليصل إلى التغطيات السياسية والدولية المعقدة.

اليوم، يُعد غاري من أبرز مراسلي BBC في واشنطن. وتشمل مهامه تغطية:

  • الانتخابات الرئاسية الأمريكية.
  • أروقة البيت الأبيض والقرارات السياسية.
  • الحروب والأزمات الدولية العابرة للحدود.


ما يميز أداء غاري مهنياً هو استثمار حواسه الأخرى وخبرته التراكمية في تحليل لغة الصوت والحركة لتقديم وصف دقيق للمشهد. في عام 2024، وخلال محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، قدم غاري تغطية حية واحترافية من قلب الحدث، معتمداً على أدواته الصحفية التكنولوجية ومهارته في قراءة الفوضى المحيطة به، مما يؤكد أن الكفاءة لا تعترف بقوالب نمطية.



شون ديلي: المدافع عن حقوق الوصول والاستقلالية

أما شون ديلي، فهو صحفي بارز آخر في BBC، عُرف بشخصيته الحيوية وتناوله العميق للقضايا المجتمعية. كمستخدم للعصا البيضاء والكلب المرشد، يمارس شون استقلاليته التامة في التنقل والعمل الميداني.


تتركز تقاريره حول:


  • قضايا حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (بما يتماشى مع الاتفاقية الدولية CRPD).
  • التكنولوجيا وإمكانية الوصول (Accessibility).
  • التحقيقات الاجتماعية والسياسية.


في عام 2022، أثبت شون استقلاليته وقوة شخصيته بعيداً عن الكاميرات، عندما حاول أحد اللصوص سرقة هاتفه المحمول في لندن. بفضل سرعة بديهته وثقته، تمكن من استرجاع هاتفه والسيطرة على الموقف، مُطلقاً تصريحه الشهير الذي كسر به صورة "الشخص ذي الإعاقة الضعيف":


"لقد اختار الشخص الكفيف الخطأ في اليوم الخطأ."


هذه الحادثة لم تكن مجرد خبر عابر، بل كانت رسالة واضحة حول أهمية الاستقلالية والتمكين.


كيف يتحقق النجاح المهني الدامج في بيئة إعلامية؟


من الناحية الحقوقية والمهنية، نجاح غاري وشون ليس "معجزة"، بل هو تطبيق عملي لحق الأشخاص ذوي الإعاقة في العمل العادل (المادة 27 من الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة). يتحقق هذا النجاح عبر:

  • الترتيبات التيسيرية والتكنولوجيا المساعدة: استخدام البرمجيات الناطقة والأدوات التقنية التي تضمن الوصول السهل للمعلومات.
  • بيئة العمل الدامجة: تعاون مؤسساتي من فرق الإنتاج والتصوير، وإدارة تؤمن بتكافؤ الفرص.
  • التدريب المهني العالي: التركيز على صقل المهارات الصحفية، التحليلية، والاعتماد على السمع والذاكرة القوية.


خلاصة حقوقية

وجود غاري أودونوغو وشون ديلي على الشاشات العالمية هو خطوة متقدمة في تغيير السردية النمطية حول الأشخاص ذوي الإعاقة. هما لا يطلبان الإعجاب بدافع الشفقة، بل يفرضان الاحترام بدافع الكفاءة والاحترافية. تذكرنا مسيرتهما بأن الإعاقة جزء من التنوع البشري، وأن توفير فرص متساوية وبيئات خالية من العوائق هو ما يصنع الفارق الحقيقي في تمكين المجتمعات.

مشاركة المقال
شارك
✓ تم نسخ النص