تُعد الرياضة البارالمبية أداة جوهرية لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة وتعزيز دمجهم واستقلاليتهم. ولكن، لكي تؤدي هذه الرياضة دورها الحقيقي، يجب أن تُبنى مؤسساتها على أسس من الشفافية، والمشاركة الفاعلة، والمعلومات الدقيقة. استمعتُ مؤخراً إلى تصريح السيد خالد الرقيبي، رئيس اللجنة البارالمبية الليبية، عبر إذاعة "ليبيا الرياضية"، والذي تناول فيه شرعية الاتحادات الفرعية بالمناطق ومقارنة الوضع التنظيمي في ليبيا ببعض دول الجوار. ومن منطلق مسؤوليتنا الحقوقية والمهنية في مدونتي، وجب علينا الوقوف عند هذا التصريح لمناقشة بعض المحاور، وتصحيح بعض المعلومات التي وردت فيه، احتكاماً للواقع وللاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
في معرض حديثه، أكد السيد الرقيبي أن الاتحادات الفرعية تُكلف تكليفاً مباشراً ولا تخضع للانتخابات، مبرراً ذلك بالنظام الأساسي وقانون الرياضة، ومشيراً إلى أن اللجان البارالمبية لها طبيعة خاصة. إن الاعتماد على مبدأ هذه الطبيعة الخاصة كمبرر لغياب الانتخابات قد يحد من تفعيل حق أصيل للأندية الرياضية والأشخاص ذوي الإعاقة. وفقاً للمبادئ الدولية للحوكمة الرياضية، وللنموذج الاجتماعي للإعاقة الذي يدعو لتمكين ذوي الإعاقة من إدارة شؤونهم بأنفسهم تحت شعار "لا شيء يخصنا بدوننا"، فإن القاعدة الرياضية والأندية هي الأجدر باختيار من يمثلها في الاتحادات الفرعية عبر صناديق الاقتراع. الاستمرار في نهج التكليف المباشر يعزز من المركزية، ويقلل من فرص استقلالية الاتحادات الفرعية ككيانات تعبر عن تطلعات الرياضيين في مناطقها وتدافع عن حقوقهم بشفافية ومشاركة حقيقية.
ومن النقاط التي تحتاج إلى مراجعة وتصحيح في التصريح، الإشارة إلى أن ليبيا سبقت دولاً مثل المغرب، والجزائر، وتونس تنظيماً، بناءً على افتراض أن هذه الدول لم تصل لتأسيس لجنة بارالمبية بسبب قوانين محلية تمنع ذلك. الواقع الموثق يختلف عن هذا التصريح؛ فبالرجوع إلى سجلات اللجنة البارالمبية الدولية (IPC)، نجد أن هناك لجاناً بارالمبية وطنية معترف بها ومستقلة في كل من تونس والجزائر والمغرب. والجدير بالذكر أن هذه الدول تُعد حالياً قوى بارزة على مستوى الرياضة البارالمبية عربياً وإفريقياً وعالمياً، ويحقق أبطالها إنجازات كبيرة ومستمرة، وهو ما يعكس استقراراً في هياكلهم التنظيمية. من المهم أن نبني تقييمنا لواقعنا الرياضي على معطيات دقيقة، وأن نستفيد من التجارب الناجحة لدول الجوار، بدلاً من عقد مقارنات قد لا تعكس الصورة الحقيقية للحركة البارالمبية الإقليمية.
وعلى صعيد آخر، استند رئيس اللجنة في توضيح آلية التكليف إلى "النظام الأساسي". والنقطة الجوهرية هنا تتمثل في الإحالة إلى وثيقة لا تكاد تكون متاحة أو معروفة للفاعلين في المشهد الرياضي البارالمبي من رياضيين وأندية. من أهم ركائز الحوكمة الرشيدة والإدارة السليمة أن تكون الأنظمة الأساسية واللوائح المنظمة لأي كيان رياضي منشورة، ومُتاحة للجميع. الاستناد إلى نظام أساسي غير معلن أو غير متاح بسهولة للمهتمين يقلل من فاعليته القانونية والتنظيمية. حق الوصول إلى المعلومات هو مبدأ تكفله الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة؛ فلا يمكن للقاعدة الرياضية أن تمارس دورها بفاعلية، أو تطالب بحقوقها، وهي لا تملك وصولاً يسيراً للوائح التي تنظم سير عمل مؤسساتها وتحدد التزاماتها وحقوقها.
ومن باب الإنصاف والموضوعية، تضمن تصريح السيد الرقيبي نقاطاً إيجابية هامة؛ أبرزها تحمله المسؤولية بشجاعة عن عدم مشاركة المنتخب الوطني الليبي لكرة السلة على الكراسي المتحركة في البطولة الأفريقية بأنغولا، وتقديم اعتذار صريح للاعبين عن هذا التقصير. كما أقر بالقصور الهيكلي الذي يمنع تأسيس اتحادات رياضية مستقلة لكل لعبة، موضحاً بشفافية أن اللجنة لا تعترض على إنشاء الاتحادات، ولكن قانون الرياضة يشترط وجود حد أدنى من الأندية، وهو ما تفتقر إليه المنظومة حالياً. والأهم من ذلك، أعلن رئيس اللجنة عن خطوة عملية تتمثل في تقديم استراتيجية لوزارة الرياضة تهدف إلى إنشاء العديد من الأندية البارالمبية في مختلف المدن والمناطق لتوسيع قاعدة الممارسة الرياضية. نحن نُثمن هذا التوجه الإيجابي، فثقافة الاعتذار وتحمل المسؤولية هي خطوة أولى ومهمة نحو الإصلاح المؤسسي، وتوسيع قاعدة الأندية هو مطلب حقوقي أصيل يتماشى مع أهداف الدمج الشامل. ولكن، لكي تنجح هذه الاستراتيجية، يجب أن تُطرح بشفافية، وألا يُتخذ نقص الأندية مبرراً لمصادرة حقها الديمقراطي في اختيار ممثليها عبر الانتخاب بدلاً من التكليف.
ختاماً، إن تطوير الرياضة البارالمبية في ليبيا يتطلب بيئة عمل تتسم بالشفافية والمكاشفة، مع ضرورة إتاحة اللوائح للجميع. وبصفتي متابعاً وشاهداً على مجريات العمل، لمستُ بنفسي وجود خلل إداري واضح في آلية اختيار بعض العناصر العاملة، وهو ما يُعيق تطور اللجنة بشكل ملموس. والأخطر من ذلك هو رصدي لتجاوزات تمس بكرامة الأشخاص ذوي الإعاقة داخل أروقة هذه المؤسسة؛ وهذا مؤشر خطير يعكس حالة من الفوضى وغياب المسؤولية، ويتنافى تماماً مع المبادئ السامية للحركة البارالمبية الدولية التي تصون كرامة البارالمبيين، وكذلك العاملين من ذوي الإعاقة داخل اللجنة الذين قدموا الكثير لهذه المؤسسة. قبل أن نتحدث عن رقابة اللجنة البارالمبية الدولية، يجب أن نتذكر أن بلدنا يمتلك قوانين وتشريعات وطنية تكفل الحقوق وتنظم المؤسسات، ولا بد أن تُحترم وتُطبق بشفافية. تصحيح المسار يبدأ باحترام سيادة القانون المحلي، ومع ذلك، فاللجنة البارالمبية الدولية (IPC) تمتلك آليات الرقابة ولن تكون بمعزل عن اكتشاف أي تجاوزات إن استمرت. فلنعمل على إصلاح مؤسساتنا وصون كرامة رياضيينا وكوادرنا بأنفسنا قبل أن تُفرض علينا المساءلة من الداخل أو الخارج.