في مسيرتنا نحو مجتمع ليبي دامج يعترف بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، نمر بمحطات تختبر مدى صلابة التشريعات والمبادئ التي ننادي بها. بعض هذه المحطات يكون على شكل إنجازات، وبعضها الآخر يأتي كتحديات أو مواقف تتطلب منا وقفة جادة ومراجعة حقيقية لواقعنا المؤسسي. اليوم، أجد نفسي أمام موقف يمسني شخصياً بطريقة لم أعهدها؛ فعلى مدار عمري الذي تجاوز الخمسين عاماً، لا أتذكر يوماً في حياتي أن أحداً عايرني بإعاقتي أو بمستواي التعليمي. ورغم غرابة وقسوة الموقف، إلا أنني كمدون وحقوقي، أرفض أن أؤطره في خانة "الخلاف الشخصي"، بل أراه امتداداً لقضية حقوقية أصيلة تتعلق ببيئة العمل، والكرامة الإنسانية، والنموذج الاجتماعي للإعاقة.
لقد اطلعت، كما اطلع الكثيرون، على "بيان الاستنكار والتضامن
" الصادر بتاريخ اليوم (30 أبريل 2026) عن اللجنة الفنية العليا لرياضة المكفوفين بليبيا، والذي جاء رداً على تجاوزات وتنمر منسوب لمدير مكتب الإعلام باللجنة البارالمبية تجاه شخصي. إن العبارة الأبرز في هذا البيان كانت: "إن احترام كرامة الأشخاص ذوي الإعاقة هو مبدأ أساسي لا يقبل التهاون". هذه الجملة لا تلخص فقط جوهر الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD) التي صادقت عليها الدولة الليبية، ولا تتطابق فقط مع دليل الإجراءات واللوائح لمدونة الأخلاقيات التابع للجنة البارالمبية الدولية (IPC)، بل هي أيضاً متجذرة في صميم التشريعات الوطنية وعلى رأسها القانون رقم (5) لسنة 1987 بشأن المعاقين. فوفقاً للمادة (2) من دليل (IPC)، يُصنف استغلال أي مسؤول لمركزه لممارسة التنمر أو الإساءة اللفظية بناءً على الإعاقة كـ "جريمة تمييز صارخة" و"انتهاك جسيم"، وهو ما يتسق مع مبادئنا الدستورية التي تصون كرامة المواطن.
ومن المفارقات المؤلمة أن تصدر هذه التجاوزات من داخل أروقة مؤسسة يفترض بها أن تكون الحاضنة والمدافعة الأولى عن حقوقنا، وهي مؤسسة تمتلك مرجعيات دولية وتخضع لقوانين محلية صارمة يُفترض أن تُحترم وتُطبق حرفياً. وهنا أقف لأتساءل بمرارة: ما هي الآليات والمعايير التي يتم بناءً عليها اختيار وتكليف أشخاص لتمثيل هذه المؤسسات الحساسة؟ وكيف يُسمح لمن يرتدي قناع "المناصر" ويدعي دعمنا في العلن، أن يمارس في الخفاء أبشع أنواع التعجرف والانتهاك الصارخ لحقوق إنسان من ذوي الإعاقة؟ ليعلم الجميع أنني لست في مكان أو موقف يسمح بأن يخيفني فيه الصوت العالي أو ترهبني لغة الصراخ والاستعلاء. بل على العكس، أريد من خلال هذه التدوينة أن أقدم درساً حقيقياً لكل متنمر ومتعجرف يفتقر لاحترام القيم الإنسانية، ويظن واهماً أنه يستطيع التسلق أو بناء أمجاده الوهمية على حسابنا. إن هذا التناقض يضعنا أمام أزمة مؤسسية حقيقية، ويوجه أصابع اللوم المباشر والكبير لإدارة اللجنة البارالمبية الليبية، وعلى رأسها رئيس اللجنة، فالمسؤولية الأولى تقع على عاتقهم في تنقية هذه الكيانات وحمايتها ممن لا يحترمون رسالتها الإنسانية. إن بيئة العمل الآمنة لا تعني فقط توفير المنحدرات لتسهيل الوصول، بل تعني خلوها التام من التمييز والتنمر. لذا، فإنني أُثمن عالياً تلويح اللجنة الفنية في بيانها بسحب "شهادة التقدير" الممنوحة سابقاً لمدير إدارة الإعلام في حال ثبوت الإدانات، لأن التكريم يجب أن يرتبط دائماً بالالتزام بأخلاقيات المهنة، وإرساء ثقافة المحاسبة والشفافية هو الضمان لعدم تكرار مثل هذه الحوادث.
وفي هذا السياق، أود أن أتوجه بخالص الشكر والتقدير للجنة الفنية العليا لرياضة المكفوفين، ولكل من تضامن معي، على هذا الدعم المبدئي الذي يعكس وعياً حقوقياً عالياً. كما أؤكد قبولي التام لمجريات التحقيق الرسمية، معرباً عن كامل احترامي وتقديري للجنة التحقيق الموقرة القائمة على هذا الملف، لثقتي في مهنيتهم وحرصهم على إظهار الحقيقة. ولكن، وبصفتي مدافعاً عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة قبل أن أكون صاحب الشأن، أحتفظ بحقي الكامل في الرد واتخاذ كافة الإجراءات والتدابير القانونية اللازمة في حال جاءت نتائج التحقيق غير منصفة أو لا تتناسب مع حجم الانتهاك.
نحن لسنا هنا لنستدر عطفاً أو شفقة، بل نحن هنا لننتزع حقوقنا ونرسخ قواعد بيئة عمل تحترم الجميع دون استثناء. سيبقى القانون هو الفيصل، والكرامة هي البوصلة التي لا نحيد عنها.