هناك واقع مرير في تجربة السفر الجوي لمستخدمي الكراسي المتحركة، واقع يفرض على المسافر التخلي عن كرسيه -الذي يمثل امتداداً لجسده وجزءاً لا يتجزأ من استقلاليته- عند باب الطائرة، ليخوض تجربة نقل قسرية إلى كرسي ممرات ضيق، ثم نقلة أخرى إلى مقعد الطائرة العادي. كل هذا يحدث بينما يُشحن كرسيه الشخصي في عنبر البضائع، مع قلق دائم من وصوله محطماً أو معطلاً، وهو ما تؤكده الإحصائيات التي تشير إلى تضرر أكثر من 10,000 كرسي متحرك سنوياً في الولايات المتحدة وحدها. ووفقاً لـ "النموذج الاجتماعي للإعاقة"، فإن العائق الحقيقي هنا ليس الإعاقة الجسدية للمسافر، بل البيئة غير المجهزة للطائرة التي صُممت دون مراعاة للتنوع البشري، لكن يبدو أن هذا العائق المادي في طريقه للزوال.
ففي معرض التصميم الداخلي للطائرات (AIX) لعام 2026 في هامبورغ بألمانيا، قدمت شركة "إيرباص" (Airbus) خطوة عملية وملموسة نحو تغيير هذا الواقع من خلال جناحها الجديد "Airspace U Suite". هذا الجناح ليس مجرد مساحة معزولة أو "ركن خاص ذو طابع خيري"، بل هو تصميم ذكي ومساحة ممتازة متعددة الاستخدامات، يتيح للمسافرين ذوي الإعاقة البقاء في كراسيهم المتحركة الشخصية طوال مدة الرحلة عبر تثبيت الكرسي مباشرة في أرضية الطائرة بأمان تام. هذا الابتكار -الذي صممه مهندسو إيرباص هانز جيرهارد جيزا وديرك ميرانكي- يقضي تماماً على الحاجة لعمليات النقل المهينة وغير الآمنة، ويحمي الأجهزة التعويضية من التلف، والأهم من ذلك أنه يكفل للمسافرين ذوي الإعاقة كرامتهم واستقلاليتهم الكاملة.
وما يميز مشروع إيرباص عن غيره من النماذج المنافسة، مثل (Prime+) أو (Air4All)، هو أنه غادر الأرض بالفعل. ففي أوائل مارس 2026، قام "ديرك ثالهايم"، وهو موظف في شركة إيرباص ومستخدم لكرسي متحرك، بتجربة النظام عملياً أثناء رحلة تجريبية على متن طائرة (Airbus A350-900). صعد ثالهايم إلى الطائرة مستخدماً مركبة الرفع المجهزة، وتم تثبيت كرسيه المتحرك في مسارات الأرضية المخصصة للجناح. ورغم أن التثبيت تم اختباره بدون ركاب أثناء الإقلاع والهبوط كإجراء أولي، إلا أن جلوس ثالهايم في كرسيه أثناء مرحلة التحليق يمثل سابقة تاريخية في قطاع الطيران المدني.
ومن منظور حقوقي، يتماشى هذا الابتكار بشكل مباشر مع الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD)، وتحديداً المادة (9) المتعلقة بإمكانية الوصول والتي تلزم الدول والجهات بتسهيل وصول الأشخاص ذوي الإعاقة إلى وسائل النقل على قدم المساواة مع الآخرين، والمادة (20) التي تؤكد على حقهم في التنقل الشخصي بأكبر قدر ممكن من الاستقلالية. ورغم أن إعلان إيرباص عن استهداف عام 2032 كجدول زمني متوقع لتسليم هذا النظام لشركات الطيران قد يبدو بعيداً ويحتاج لجهود كبيرة في مسار إصدار الشهادات التنظيمية للطيران، إلا أنه يعتبر في عالم هندسة الطيران التزاماً زمنياً حقيقياً، والأول من نوعه لابتكار يخص تثبيت الكراسي المتحركة.
وتجدر الإشارة إلى أن المعلومات والتفاصيل الميدانية الواردة في هذه التدوينة استندت إلى تقرير وتغطية نشرها المدافع عن حقوق السفر الميسر "جون موريس" (John Morris) عبر موقعه (WheelchairTravel.org)، والذي يُعد المرجع العالمي الأكبر والأهم للمسافرين ذوي الإعاقة.
هذا التطور يؤكد لنا أن التغيير ممكن عندما تتحول قضايا إمكانية الوصول من مجرد "مطالب فئوية" إلى "معايير تصميم هندسية أساسية"؛ فنحن لا نطلب معاملة خاصة، بل نطلب بيئة لا تقصينا.