أهلاً بكم أصدقائي وزوار مدونتي absi.cc. في قسم "شخصيات" لهذا اليوم، نسافر معاً إلى إستونيا (وهي دولة تقع في منطقة بحر البلطيق بشمال أوروبا) لنتعرف على نموذج ملهم يدمج بين الفن والمناصرة الحقوقية بطريقة مبتكرة وفعالة. شخصيتنا اليوم هو "يانار بيترسون" (Janar Peterson)، شاب يبلغ من العمر 29 عاماً، وهو مدافع عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ومصاب بشلل رباعي إثر حادث تعرض له في سن الرابعة عشرة (عام 2011)، وصانع ابتسامة محترف ونجم صاعد في مجال الـ "ستاند أب كوميدي" (Stand-up Comedy) في بلاده.
في رحلة انتقاله من عالم البرمجة إلى خشبة المسرح لتحطيم التابوهات المجتمعية، لم يتنازل يانار يوماً عن حقه في العمل والاستقلالية على الرغم من التحديات اليومية التي تتطلب تخطيطاً دقيقاً ومساعدة في المهام الأساسية. فقد درس هندسة البرمجيات وعمل لسنوات كمطور برامج في شركة تقنية في العاصمة تالين، ولكن في صيف عام 2024، اتخذ قراراً جريئاً بترك وظيفته في مجال تكنولوجيا المعلومات ليتفرغ تماماً لشغفه الحقيقي المتمثل في الكوميديا.
في مجتمعاتنا، غالباً ما يُنظر إلى الإعاقة من منظور الشفقة، وقد يعتبر البعض أن التحدث عنها بأسلوب ساخر هو "تابو" أو أمر محرم مجتمعياً. يانار يواجه هذا التابو وجهاً لوجه؛ فهو يدرك أن البعض قد يرى وجوده على المسرح "أمراً محزناً"، لكنه يستخدم الكوميديا السوداء بذكاء لقلب الطاولة، محولاً ما يعتبره المجتمع "نقاط ضعف" إلى "قوة خارقة" تجبر الجمهور على الضحك والتفكير في آن واحد، كاسراً بذلك الحواجز السلوكية (Attitudinal Barriers) التي تعيق دمج الأشخاص ذوي الإعاقة.
وتتجلى عبقرية يانار في استخدامه لمهنته كأداة للمناصرة وتسليط الضوء على "النموذج الاجتماعي للإعاقة". في إحدى مقابلاته، أشار إلى نقطة جوهرية يعاني منها الكثيرون منا حول إشكالية المنحدرات، قائلاً بسخرية مبطنة: "الكوميديون أشخاص مضحكون جداً، لكنهم في بعض الأحيان لا يمتلكون العقول الأكثر منطقية. لذلك عليك أن تشرح لهم: انظروا، لقد تم وضع هذه المنحدرات (Ramps) بهذه الطريقة، لكني بحاجة إلى أن تسير عجلتي الكرسي كلتاهما عليها!". هذا الاقتباس يجسد تماماً فكرة أن العائق الحقيقي ليس في جسد يانار، بل في البيئة المحيطة والتصميم غير الشامل، فوجود منحدر غير مطابق للمواصفات هو تماماً كعدم وجوده، وهنا يأتي دور التوعية والمطالبة بحق "إمكانية الوصول".
واستكمالاً لجهوده في توجيه رسالة حقوقية من على خشبة المسرح، قام يانار بتنظيم جولة كوميدية وطنية شملت عدة فنانين، أطلق عليها اسم "جولة الستاند أب الميسرة" (Accessible Stand-Up Tour). ما يميز هذه الجولة ليس فقط المحتوى الكوميدي، بل الشرط الأساسي الذي وضعه يانار وزملاؤه، وهو الأداء حصرياً في الأماكن المهيأة والتي يسهل الوصول إليها للأشخاص ذوي الإعاقة.
لقد نجح يانار في تقديم عروضه في 50 موقعاً مهيأً، وكانت هذه الخطوة بمثابة رسالة قوية ومباشرة للمجتمع الإستوني وصناع القرار. من خلال هذه الجولة، سلط يانار الضوء على قضية جوهرية تكفلها الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD)، وتحديداً المادة 9 المتعلقة بـ (إمكانية الوصول) والمادة 30 الخاصة بـ (المشاركة في الحياة الثقافية وأنشطة الترفيه والتسلية والرياضة).
ولعلكم تتساءلون: لماذا تعتبر تجربة يانار مهمة لنا؟ إن تسليط الضوء على هذه التجربة هو دعوة لنا جميعاً، وخصوصاً في ليبيا وعالمنا العربي، للتفكير في أدوات مبتكرة للمناصرة. يانار لم يكتفِ بكتابة الشكاوى، بل خلق واقعاً موازياً، وقاطع الأماكن غير المهيأة، وأثبت أن استبعاد الأشخاص ذوي الإعاقة يعني خسارة المجتمع لمواهب وطاقات وفنون قيّمة، وأن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة هي حقوق أصيلة لا تقبل التهميش أو المساومة.