بعد مرور عقد كامل على انطلاقه، أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) من خلال تقريرها على موقعها الإلكتروني، اختتام برنامجها للتأهيل الحركي في ليبيا وتسليم إدارة هذا القطاع للجهات المحلية. طوال عشر سنوات، قدم البرنامج عبر مراكزه الأربعة في طرابلس وبنغازي ومصراتة خدمات حيوية لأكثر من 2000 شخص من ذوي الإعاقة سنوياً، شملت الأطراف الصناعية وخدمات تقويم العظام والعلاج الطبيعي. لم يكن الأثر مقتصراً على تحسين القدرة الحركية فحسب، بل امتد لينعكس إيجاباً على الصحة النفسية للمستفيدين، مما مكنهم من استعادة أدوارهم المجتمعية والأسرية باستقلالية. وإلى جانب ذلك، شملت الجهود بناء القدرات المحلية عبر ابتعاث 18 طالباً وتدريب العشرات من المختصين لضمان استمرارية تقديم الخدمة.
وإلى جانب التأهيل الطبي البحت، لعب البرنامج دوراً بارزاً في دعم الرياضة البارالمبية في ليبيا. فقد موّل تنظيم ثلاث بطولات وطنية ومشاركات دولية في كرة السلة على الكراسي المتحركة، وتبرع بمعدات شملت كراسي متحركة مخصصة، مما أتاح لأكثر من 100 رياضي من ذوي الإعاقة ممارسة الأنشطة الرياضية بانتظام.
هنا، ومن موقعي كمدون ومدافع عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة عبر منصة (absi.cc)، أرى أن هذه الأرقام والمنجزات، رغم أهميتها المؤسسية، تضعنا أمام استحقاقات حقوقية لا يمكن تجاهلها. إن استعادة القدرة على المشي أو الحركة يجب ألا يُعتبر "خط النهاية"، بل هو مجرد "نقطة البداية" للنزول إلى الملاعب والمنافسة بقوة. في مجتمعنا، لا يزال البعض ينظر إلى الرياضة التكيفية من منظور "الشفقة" أو كنوع من "الترفيه العلاجي" لتمضية الوقت، وهذا المفهوم القاصر يجب أن يُنسف تماماً؛ فالمادة 30 من الاتفاقية الدولية (CRPD) تؤكد أن المشاركة في الرياضة هي "حق أصيل". وعلينا أن ندرك ونُدرّك المجتمع أن الكرسي المتحرك الرياضي ليس "أداة طبية"، بل هو مُعِدّة رياضية احترافية صُممت للمناورة والتحمل، ورؤية أبطالنا وهم يتنافسون بها تحولهم من متلقين للرعاية إلى أبطال ومنافسين شرسين.
ولكن، أكثر ما استوقفني بل واستفزني في تقرير الصليب الأحمر هو بند التبرع بكراسي لـ 100 رياضي. من المعروف أن المهام الإغاثية لمنظمات دولية كالصليب الأحمر تتركز غالباً في الدول شديدة الفقر أو تلك التي تعاني من انهيار كامل لمؤسساتها، وأطرح هنا تساؤلاً مشروعاً بصوتٍ عالٍ: هل وصلنا في ليبيا إلى هذه الدرجة؟ أين الدولة النفطية من كل هذا؟ هل يُعقل في بلد يمتلك موارد ضخمة وميزانيات مليارية أن ننتظر منظمة إنسانية دولية لكي تصرف علينا وتوفر 100 كرسي رياضي لأبطالنا ليمارسوا حقهم الطبيعي؟ هذا التساؤل لا يقلل إطلاقاً من شكرنا لجهد الصليب الأحمر، ولكنه يسلط ضوءاً كاشفاً على تقصير حكومي فادح. المعدات الرياضية للأشخاص ذوي الإعاقة ليست "إعانات إغاثية" ننتظرها من الخارج، بل هي التزام مالي يجب أن تتكفل به الدولة كجزء من حقنا القانوني في الوصول إلى الموارد.
اليوم، ومع انتقال المسؤولية كاملة إلى مؤسسات الدولة، أوجّه رسالتي بوضوح لوزارة الرياضة، ووزارة الشؤون الاجتماعية، واللجنة البارالمبية الليبية: يجب أن تكون الرياضة التكيفية في صميم خطط التنمية وليس على الهوامش. لا عذر بعد اليوم في إهمال تطبيق "إمكانية الوصول" (Accessibility) في الملاعب والصالات الرياضية المكتظة بالحواجز. نحن بحاجة ماسة إلى تمويل مستدام للكرامة، لدعم اللجنة البارالمبية والأندية لشراء أحدث المعدات وضمان استمرار المشاركات الدولية دون انتظار منح التبرعات. كما يجب تفعيل الرياضة المدرسية الدمجية لاكتشاف الأبطال مبكراً، عبر تدريب معلمي التربية البدنية لدمج الطلاب ذوي الإعاقة بفاعلية بدلاً من إجلاسهم على مقاعد الاحتياط. الرياضة كانت وستظل أقوى أدواتنا لفرض حضورنا، وصفارة الحكم في الملاعب هي إعلان مستمر لحقوقنا؛ فلنواصل اللعب، ولنواصل التأثير.