امس، تابعنا ظهور السيد محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي الذي يشغل منصب "رئيس مؤقت" لدولة تعيش أزمات مؤسساتية مركبة في مقصورة كبار الزوار (VIP) لمباراة ديربي مدريد بين أتلتيكو وريال مدريد، وإلى جانبه شخصيات بارزة مثل فلورنتينو بيريز. ورغم الجدل الذي أثير في البداية حول صحة الصورة وما إذا كانت مفبركة، إلا أن لقطات البث المباشر للمباراة عبر قنوات "بي إن سبورتس" وغيرها، والتي شاهدها الملايين حول العالم، قطعت الشك باليقين وأكدت تواجده الفعلي هناك.
هذا المشهد الموثق يفرض علينا طرح التساؤل البديهي من منطلق الشفافية وحق المواطن في الوصول إلى المعلومات: هل كانت هذه الرحلة، وهذه الحظوة، على حساب خزانة الدولة أم من ماله الخاص؟
إن اختصاصات المجلس الرئاسي، وفقاً للاتفاقيات السياسية، واضحة ومحددة؛ وتتركز أساساً في قيادة مرحلة انتقالية، توحيد مؤسسات الدولة الممزقة، والمضي بالبلاد نحو انتخابات واستقرار دائم. هذه المهام الجسيمة لا تتقاطع بأي شكل من الأشكال مع التواجد في مقصورات ملاعب أوروبا. إن هذا السلوك يمثل تجاوزاً صريحاً للأولويات الوطنية، ويفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات مشروعة حول شبهات هدر المال العام في غير محله.
بصفتي مدافعاً عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، لا يسعني عند رؤية هذه المشاهد إلا أن أعقد مقارنة مريرة ومؤلمة. نحن نتحدث دائماً عن "النموذج الاجتماعي للإعاقة"، والذي يؤكد أن العوائق الحقيقية هي تلك التي يفرضها المجتمع والبيئة المحيطة والسياسات الحكومية. الملايين التي تُهدر على رحلات بروتوكولية لا طائل منها، وامتيازات غير مبررة، هي ذات الموارد التي كان يجب أن تُوجه لتهيئة البنية التحتية، وتوفير التقنيات المساعدة، ودعم برامج التعليم الدمجي والتوظيف العادل للأشخاص ذوي الإعاقة. نحن في مجتمعنا نناضل يومياً من أجل "حق الوصول الشامل" إلى المرافق الأساسية، بينما تجد من يتصدر المشهد السياسي يحصل على "حق الوصول" إلى مقصورات الـ VIP بكل سهولة وبلا مبرر تنفيذي!
لقد كان من الأجدر برئيس في مرحلة مؤقتة، إن كان لا بد من الحضور، أن يبتعد عن استعراض النفوذ والجلوس مع النخب الأجنبية، وأن يكون قريباً من الجماهير، ليعكس صورة المسؤول الذي يشعر بنبض الشارع، لا أن ينعزل في أبراج عاجية. غياب المسؤول عن "المدرجات العادية" هو انعكاس رمزي لغيابه عن "مدرجات الوطن" حيث يعاني المواطن البسيط.
هذا المشهد، للأسف، يرسخ قناعة بدأت تتجذر لدى الكثيرين: نحن في ليبيا نفتقر إلى "نخبة" سياسية أو وطنية حقيقية تحمل هموم البلاد وتمتلك أدنى درجات المسؤولية الأخلاقية والمهنية. ما نراه يتصدر المشهد غالباً هو مجرد امتداد لحالة من الانتهازية السياسية، حيث السعي لمصالح ضيقة والتمتع بامتيازات السلطة في غفلة من رقابة المؤسسات.
الحقوق لا تتجزأ، والدفاع عن المال العام هو خط الدفاع الأول عن حقوق الفئات الأكثر تهميشاً. المساءلة والشفافية ليستا مجرد شعارات رنانة، بل هما أدوات حقيقية لمنع استغلال الموارد، وضمان توجيهها لبناء دولة تضمن كرامة واستقلالية جميع مواطنيها، دون استثناء.