Loading... | ... | 00:00

بين قانون العمل المصري والواقع الليبي: الشفافية وحق التوظيف للأشخاص ذوي الإعاقة

مشاركة


 في سعينا الدائم نحو مجتمع دامج وميسر، لا يمكننا أن نغفل عن متابعة التطورات التشريعية والحقوقية في محيطنا الإقليمي، لنستلهم منها ما يدعم قضايانا ونقيّم بناءً عليها واقعنا المحلي. لفت انتباهي مؤخراً التغطية الصحفية في مصر حول ندوة موسعة جمعت وزير العمل والشركات الخاصة لمناقشة آليات تطبيق قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025.

الحدث لم يكن مجرد نقاش نظري؛ بل تضمن خطوات عملية لافتة، أبرزها تسليم 50 عقد عمل للأشخاص ذوي الإعاقة (والذين أُشير إليهم في التغطية بمصطلح "ذوي الهمم") للعمل في شركات القطاع الخاص، بالإضافة إلى منح 10 شهادات تدريب مهني لخريجي مركز تدريب "شهداء الكتيبة 103 صاعقة". هذه الخطوة، التي جاءت تحت مظلة استراتيجية "التدريب من أجل التشغيل"، تحمل دلالات حقوقية عميقة تستحق التوقف عندها.

قراءة حقوقية في المشهد

من منظور "النموذج الاجتماعي للإعاقة"، نحن لا ننظر إلى توفير فرص العمل على أنه عمل خيري أو إحسان، بل هو التزام قانوني وحقوقي أصيل تكفله الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD)، وتحديداً المادة (27) التي تؤكد على الحق في العمل على قدم المساواة مع الآخرين، وفي بيئة عمل منفتحة ودامجة ويسهل الوصول إليها.

ما يثير الاهتمام في الخطوة المصرية هو "الشفافية والمشاركة". جلوس وزارة العمل على طاولة واحدة مع القطاع الخاص، والإعلان بالأرقام عن العقود المبرمة، يضع أصحاب الأعمال أمام مسؤولياتهم المجتمعية والقانونية، ويحول النصوص القانونية من حبر على ورق إلى ممارسات فعلية على أرض الواقع.

أين نحن في ليبيا من هذه الشفافية؟ والقانون رقم 5؟

هنا، وفي مدونتي، لطالما تحدثت مراراً عن القانون رقم (5) لسنة 1987 بشأن المعاقين، وهو التشريع الذي يُفترض أن يكون المظلة الحامية لحقوقنا في ليبيا. هذا القانون، ورغم إقراره منذ عقود وتأكيده على حق التوظيف، لا يزال يعاني من شلل في التفعيل، وتخبط في لائحته التنفيذية التي تحتاج إلى تحديث جذري لتواكب العصر والاتفاقية الدولية التي صادقت عليها الدولة الليبية. لدينا تشريعات وقرارات حكومية وتعميمات تلزم الجهات العامة والخاصة بتخصيص نسبة 5% من الوظائف للأشخاص ذوي الإعاقة، ولكن السؤال الجوهري الذي نطرحه اليوم: أين الشفافية في تطبيق هذه القوانين؟ وأين العقوبات لمن يخالفها؟

نحن بحاجة ماسة إلى خلق مساحات حقيقية للنقاش، على غرار ما حدث في دول الجوار، عبر تنظيم طاولات حوار علنية وندوات شفافة تجمع وزارة العمل والتأهيل الليبية مع غرف التجارة والصناعة وشركات القطاع الخاص والمصارف، لمناقشة آليات توظيف الأشخاص ذوي الإعاقة بوضوح. ولا يكتمل هذا الحوار دون الاعتماد على مبدأ البيانات المفتوحة؛ فمن حقنا أن نعرف بالأرقام الدقيقة عدد الأشخاص ذوي الإعاقة الذين تم دمجهم في سوق العمل الليبي بشقيه العام والخاص ضمن نسبة الـ 5% خلال العام الماضي، وحجم وطبيعة التسهيلات الترتيبية التي وُفرت لهم.

إلى جانب ذلك، يجب أن تتغير الاستراتيجية المتبعة من التوظيف الشكلي إلى نهج "التدريب من أجل التشغيل"، وهو ما يتطلب فتح مراكز التدريب المهني في ليبيا أبوابها لتكون ميسرة (Accessible) بالكامل، لضمان حصول الأشخاص ذوي الإعاقة على شهادات مهنية تنافسية. وأخيراً، لم يعد الاعتماد على الوظائف العامة في الدولة حلاً مستداماً، مما يُحتم تحفيز وإلزام القطاع الخاص في ليبيا بتوفير بيئات عمل دامجة، تستفيد من التنوع البشري بعيداً عن نظرة الشفقة، مع ضرورة تفعيل الجانب الرقابي لضمان التطبيق الصارم لنسبة التوظيف ومحاسبة المخالفين.

الاستقلالية الاقتصادية هي حجر الزاوية في تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة. لا يمكننا الحديث عن حقوق كاملة دون حق الوصول إلى مسار مهني يحفظ الكرامة ويدعم الاستقلالية. نحن لا نطلب استثناءات، بل نطالب بتحديث تشريعاتنا وتكافؤ الفرص وتطبيق القانون بشفافية تامة.

مشاركة المقال
شارك
✓ تم نسخ النص