تلقينا ببالغ الأسف، ولكن بكثير من الاستياء الحقوقي، إعلان السيد عبدالرزاق المغربي، رئيس اللجنة العليا لكرة السلة على الكراسي المتحركة باللجنة البارالمبية الليبية، عن تعذر مشاركة منتخبنا الوطني في منافسات البطولة الأفريقية المقامة في أنغولا.
هذا الحدث ليس مجرد "فرصة رياضية ضائعة"، بل هو تجسيد حقيقي للإقصاء المؤسسي، ودليل واضح على أن الحواجز التي تعيق الأشخاص ذوي الإعاقة في ليبيا ليست حواجز جسدية، بل هي حواجز تنظيمية، مادية، وإدارية تفرضها مؤسسات الدولة.
جهود تُهدر أمام عتبة التمويل
لقد أثبت أبطالنا في المنتخب الوطني التزامهم التام واستعدادهم العالي لتمثيل ليبيا. نتحدث هنا عن معسكر تدريبي داخلي مكثف استمر لأربعة أشهر، تلاه مشاركة مشرفة في البطولة العربية بدولة الكويت بدعم مقدر من وزارة الشؤون الاجتماعية وهيئة صندوق التضامن الاجتماعي. كان المنتخب في أوج جاهزيته الفنية والبدنية لاقتناص بطاقة العبور نحو نهائيات كأس العالم (IWBF) في كندا.
ولكن، تبددت كل هذه الجهود، لا لقصور في مهارة الرياضيين، بل لعجز إداري متمثل في غياب التمويل والميزانيات، وهو ما وقف سداً منيعاً أمام حق أصيل من حقوق رياضيينا.
الرياضة حق.. وليست منحة
إن المادة (30) من الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD)، والتي صادقت عليها ليبيا، تنص بوضوح على حق الأشخاص ذوي الإعاقة في المشاركة في الحياة الثقافية وأنشطة الترفيه والتسلية والرياضة على قدم المساواة مع الآخرين. كما تُلزم الدول الأطراف بتشجيع وتعزيز مشاركتهم في الأنشطة الرياضية على جميع المستويات.
لا يمكن أن تُدار رياضة الأشخاص ذوي الإعاقة بعقلية "الفائض من الميزانية" أو أن ترتهن للبيروقراطية المفرطة؛ بل يجب أن تُدرج كبند أساسي وملزم في ميزانية الدولة الرياضية كجزء من التزام الدولة بمبدأ "تكافؤ الفرص".
المدرب "مالات وي": فشل في القيادة وفقدان للثقة
وفي تطور لافت يعكس حجم الإحباط داخل المعسكر الفني، وجه مدرب المنتخب الوطني، الأمريكي من أصل جنوب سوداني "مالات وي" (Malat Wei)، انتقادات لاذعة وحازمة عبر تعليق مباشر على الصفحة الرسمية للجنة البارالمبية الليبية.
حيث حمّل "وي" اللجنة المسؤولية الكاملة عن هذا الإخفاق، قائلاً: "بصفتي مدرباً للمنتخب الوطني، أُحمّل اللجنة مسؤولية الفشل في إيجاد التمويل للمشاركة في بطولة أنغولا. طوال أربعة أشهر، ضحى هؤلاء الرياضيون بوظائفهم ووقتهم مع عائلاتهم وحياتهم الشخصية للتدريب. إنهم يمتلكون الموهبة ليكونوا الأفضل في أفريقيا، ومع ذلك قوبل تفانيهم بالإهمال".
وشدد المدرب على أن أزمة التمويل كان يجب حلها قبل بدء المعسكر التدريبي أساساً، معتبراً أن الانتظار حتى اللحظة الأخيرة لتأمين السفر لأهم بطولة في القارة هو "فشل في القيادة"، ملقياً باللوم صراحة على اللجنة لافتقارها إلى الرؤية المستقبلية. واختتم تصريحه بكلمات تعكس واقعاً مريراً: "هؤلاء الرياضيون يستحقون قيادة توازي مستوى تضحياتهم... لقد فقد اللاعبون الثقة بكل تأكيد".
رئيس اللجنة البارالمبية يرد: تضارب في الأرقام وتحميل المسؤولية للوزارة
وفي سياق حق الرد، وتعميقاً لحالة التخبط الإداري التي تعيشها اللعبة، ظهر السيد خالد الرقيبي، رئيس اللجنة البارالمبية الليبية، بتصريح كشف فيه عن فجوة كبيرة في التواصل وغياب للشفافية بين أروقة الإدارة ذاتها.
رد الرقيبي على تصريحات رئيس اللجنة العليا مؤكداً أن اللجنة البارالمبية ساهمت في تهيئة المعسكر الإعدادي بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية، متكفلة بتذاكر السفر الداخلية لرياضيي المنطقة الشرقية ومرتب المدرب، حيث تجاوزت مصروفات المعسكر 80 ألف دينار ليبي.
وألقى الرقيبي باللوم المباشر على وزارة الرياضة، مشيراً إلى أن المشاركات الخارجية تُدعم مباشرة من الوزارة، وأن ما أسماه "الحظ السيئ" لهذه المشاركة تزامن مع التغيير الوزاري في وزارة الرياضة. ورغم المراسلات العديدة، لم يتم الحصول على موافقة.
لكن النقطة الأكثر إثارة للاستغراب في رد الرقيبي كانت التضارب الصارخ في الأرقام؛ حيث نفى تصريحات المغربي السابقة بشأن المبلغ المطلوب، قائلاً: "ميزانية هذه المشاركة تفوق 800 ألف دينار وليس 30 ألف دولار كما أوضح السيد رئيس اللجنة للعبة.. هذه هي الشفافية الغائبة عن الجميع!".
قراءة حقوقية للتخبط الإداري
هذا التراشق العام بالاختصاصات والأرقام المتضاربة (بين 30 ألف دولار و 800 ألف دينار) يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الخلل "مؤسسي" بامتياز. التغييرات الوزارية أو "الحظ السيئ" أو الخلافات الداخلية لا ينبغي أن تُعطل استحقاقات وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة المكتسبة قانونياً. الرياضيون هنا وقعوا ضحية لغياب التخطيط المالي الاستراتيجي، وانعدام الشفافية، والاعتماد العشوائي على الموافقات الاستثنائية بدلاً من وجود ميزانيات مخصصة ومستدامة تكفل حقوقهم.
رسالة إلى أبطالنا..
إلى رياضيي كرة السلة على الكراسي المتحركة: أنتم لم تخسروا المنافسة، بل الإدارة هي من خسرت شرف تمثيلكم للوطن. عزيمتكم على مدار أربعة أشهر هي البطولة الحقيقية.