Loading... | ... | 00:00

وزير الرياضة الجديد وتحدي البارالمبية: فرصة لترجمة المعرفة الأكاديمية إلى إنصاف حقوقي وتشريعي

مشاركة

 


باشر وزير الرياضة الليبي، الدكتور فؤاد برغش، مهامه رسميًا بمقر الوزارة، في خطوة تمثل بداية مرحلة جديدة نأمل أن تحمل معها تطويراً حقيقياً للقطاع الرياضي في ليبيا. وما يضفي بُعداً استثنائياً على هذه المرحلة، ويرفع سقف توقعاتنا كحقوقيين ومهتمين، هو الخلفية الأكاديمية للوزير الجديد؛ حيث تشير المعلومات إلى أن دراساته الأكاديمية العليا تركزت في مجال رياضة الأشخاص ذوي الإعاقة، وتحديداً "كرة السلة على الكراسي المتحركة". إن وجود شخصية على رأس الهرم الرياضي تدرك تماماً التحديات الميدانية وتفهم خصوصية هذه الرياضة، يضع الوزارة أمام مسؤولية مضاعفة لتحويل هذه المعرفة الأكاديمية إلى قرارات إصلاحية جريئة تنصف رياضتنا.


وقد جرت مراسم الاستلام والتسليم بحضور الوزير السابق عبدالشفيع الحويفي ووكيل الوزارة لشؤون الرياضة جمال أبونوارة، إلى جانب عدد من مدراء الإدارات والمكاتب، في أجواء تعكس استمرارية العمل المؤسسي والمسؤولية تجاه النهوض بالرياضة الليبية.

تأتي هذه المرحلة في وقت تحتاج فيه الرياضة الليبية إلى رؤية استراتيجية شاملة تضمن دعم الأندية والاتحادات، وتوسيع قاعدة المشاركة في مختلف أنحاء البلاد. وفي هذا السياق الحقوقي والتنموي، تبرز ضرورة ملحة لوضع الحركة البارالمبية الليبية في صدارة الأولويات، ليس من باب التعاطف، بل كاستحقاق أصيل يكفله القانون وتؤكده المادة 30 من الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD)، والتي تنص على حق الأشخاص ذوي الإعاقة في المشاركة في الحياة الثقافية وأنشطة الترفيه والتسلية والرياضة على قدم المساواة مع الآخرين.

قانون الرياضة رقم 23 لسنة 2023: فجوة تشريعية وشروط تعجيزية

في سياق الحديث عن الإصلاح المؤسسي، لا يمكننا تجاهل قانون الرياضة رقم 23 لسنة 2023، والذي للأسف الشديد، لم يُنصف رياضة ذوي الإعاقة ولم يلبِّ طموحات الرياضيين البارالمبيين في ليبيا، لأنه صدر دون إشراك حقيقي لخبراء ورياضيي ذوي الإعاقة.

وبقراءة نقدية لمواد هذا القانون، نجد أنه يعامل رياضة ذوي الإعاقة بنفس المعايير المطبقة على الرياضة العامة، متجاهلاً مبدأ "الترتيبات التيسيرية المعقولة". فعلى سبيل المثال، يضع الفصل الثالث (المادة 68) شروطاً قاسية لتأسيس الاتحادات العامة، مثل اشتراط وجود عشرة أندية موزعة على ثلاث مناطق، وتُلزم (المادة 69) المؤسسين بالتعهد بعدم الاعتماد الكلي على خزانة الدولة. كيف يمكن تطبيق هذه الشروط "التعجيزية" على رياضات ذوي الإعاقة التي تعاني أصلاً من ندرة الأندية المتخصصة، وتحتاج إلى دعم حكومي سيادي لتوفير الكراسي المتحركة والأطراف الصناعية الرياضية والبيئة المهيأة؟

أما في الفصل الخامس، ورغم منح اللجنة البارالمبية استقلاليتها، إلا أن مهامها المذكورة في (المادة 101) من توفير معدات باهظة ووسائل تنقل مهيأة، أُلقيت على عاتق اللجنة وحدها دون إلزام مؤسسات الدولة بالشراكة. وفي المقابل، جاءت (المادة 105) لتتحدث عن "الدعم المالي المقدم من الدولة" كبند فضفاض وعام، دون إقرار ميزانية ملزمة ونسبة ثابتة للجنة البارالمبية تحميها من التهميش وتضمن العدالة مع باقي القطاعات الرياضية.

الحوكمة والشفافية: ركائز التطوير المؤسسي

تعمل اللجنة البارالمبية الوطنية تحت مظلة اللجنة البارالمبية الدولية (IPC)، وهي الهيئة العالمية المعنية بتنظيم الحركة البارالمبية. وقد أرست هذه المنظمة مبدأً واضحاً: تطوير رياضة ذوي الإعاقة يبدأ من تعزيز الحوكمة، الشفافية، وبناء مؤسسات ديمقراطية قوية.

تمثل المرحلة القادمة لوزارة الرياضة فرصة ذهبية لتعزيز مبادئ الحوكمة داخل أروقة اللجنة البارالمبية الليبية. يتطلب ذلك تحديث اللوائح التنظيمية لتتجاوز قصور القانون الحالي، وترسيخ الشفافية المالية والإدارية، وضمان المشاركة الفعالة للأندية والرياضيين في صنع القرار لبناء ثقة تجذب الشراكات الدولية.

الوصول الشامل والبنية التحتية: التحدي الأكبر

لا يمكن الحديث عن تطوير رياضة ذوي الإعاقة دون التطرق إلى "الوصول الشامل". إن أحد أكبر العوائق التي تواجه الرياضيين ذوي الإعاقة في ليبيا ليست إعاقتهم، بل الحواجز البيئية المتمثلة في عدم تهيئة الملاعب والصالات الرياضية. يجب أن تتبنى الوزارة الجديدة خطة وطنية لضمان تطبيق معايير إمكانية الوصول في كافة البنى التحتية، لضمان بيئة رياضية دامجة.

من الجهود الفردية إلى الالتزام المؤسسي

لطالما كانت أندية ذوي الإعاقة في مختلف المدن الليبية هي الحاضنة الأولى لاكتشاف المواهب. الإنجازات البارالمبية التي حققتها ليبيا سابقاً اعتمدت في كثير من الأحيان على مبادرات فردية. اليوم، يجب أن ينتقل هذا الملف إلى "الالتزام المؤسسي" الممنهج من قبل الدولة، من خلال توفير الدعم المالي واللوجستي المستدام وتذليل العقبات القانونية أمام هذه الأندية.

تأسيس الاتحادات المتخصصة: ضرورة رغم القيود

رغم القيود القانونية المذكورة في المادة 68، بات من الضروري العمل مع وزارة الرياضة لإيجاد استثناءات قانونية أو لوائح تنظيمية تسمح بتأسيس وتفعيل اتحادات الألعاب البارالمبية المتخصصة (كألعاب القوى، رفع الأثقال، وكرة الهدف). الاستقلالية الفنية لهذه الاتحادات هي الخطوة الأولى نحو تنظيم المنافسات المحلية باحترافية، وتأهيل الحكام والمصنفين الطبيين، وربط الرياضة الليبية ببرامج التطوير الدولية.

إن تولي وزير الرياضة مهامه يفتح باب الأمل أمام نهضة رياضية دامجة. أبطالنا البارالمبيون أثبتوا قدرتهم على رفع علم ليبيا في المحافل الدولية رغم التشريعات القاصرة وشح الإمكانيات. مراجعة القوانين، وبناء حركة بارالمبية قوية ومستقلة تستند إلى النهج الحقوقي، هو استثمار حقيقي في التنمية البشرية وخطوة استراتيجية نحو مجتمع ليبي أكثر شمولاً وعدالة.

مشاركة المقال
شارك
✓ تم نسخ النص