Loading... | ... | 00:00

العجز في التصميم لا في الجسد.. قراءة في حلقة التصميم الشامل من برنامج واحد إلى واحد

مشاركة


ضمن قسم "شاهدت"،  أشارككم اليوم مراجعة لحلقة استثنائية من برنامج "واحد إلى واحد" على قناة الوسط (WTV). الحلقة الحادية عشرة لامست صميم حقوقنا واستقلاليتنا في ظل مشاريع الإعمار والتطوير الحضري التي تشهدها بلادنا حالياً، والتي تعتبر فرصة ذهبية لتصحيح أخطاء الماضي المعمارية. حملت الحلقة عنوان: "التصميم الشامل"، واستضافت نخبة من المختصين: المهندس أحمد الرضا، المهندس عماد بوغرارة، المهندس أحمد الصنهاجي، والدكتور محمد القرقوري.

وكعادتي في هذه المدونة، أطرح قراءتي من زاويتين متقاطعتين: النقد الفني للبرنامج كعمل إعلامي، والتحليل الحقوقي لمدى تطابق الرسائل الموجهة مع المعايير الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

من الزاوية الفنية والشخصية: متعة الحوار والتخصص واحترام العقل

من الناحية الفنية، ما لفت انتباهي بقوة في هذه الحلقة هو الإدارة الذكية والناضجة للحوار من قبل المقدم عمر الكيخيا، واختياره الموفق لضيوف يمثلون خليطاً تكاملياً بين الهندسة المعمارية والطب. البرنامج لم يقع في فخ "السطحية" أو المعالجة الدرامية، بل غاص في تفاصيل أكاديمية وعملية بأسلوب سلس يجذب المشاهد العادي ويثري المتخصص على حد سواء.

هذا النهج الإعلامي يحترم عقلية المشاهد ويحفظ كرامة الأشخاص ذوي الإعاقة، مبتعداً تماماً عن القوالب النمطية البالية التي تحصرنا في زوايا العجز المثير للشفقة أو استدرار العطف المجرد. الديكور الهادئ، وتوزيع الكاميرات المريح للعين، والإيقاع المتزن للحوار الذي يمنح كل ضيف مساحته لتقديم حججه، كلها عناصر جعلت من مشاهدة هذه الحلقة التي تقارب الساعة، متعة بصرية وفكرية خالصة. لقد أثبت البرنامج أن القضايا الحقوقية والهندسية الجادة يمكن طرحها بقالب إعلامي جذاب ورصين، دون الحاجة للصراخ أو المبالغة.

من المنظور الحقوقي: البيئة هي من تُعيقنا، وليس أجسادنا!

لطالما أكدنا في المدونة وفي كل مساحات النقاش على النموذج الاجتماعي للإعاقة، والذي ينص ببساطة وبشكل قاطع على أن الإعاقة الحقيقية لا تكمن في الفرد أو في قصوره البدني أو الحسي، بل في البيئة المحيطة غير المهيأة لاستيعاب هذا التنوع البشري. وهذا بالضبط ما تجلى بوضوح وعمق في نقاشات المهندسين (أحمد الرضا، عماد بوغرارة، وأحمد الصنهاجي) والدكتور محمد القرقوري.

لقد تم طرح مصطلح "التصميم الشامل" (Universal Design) بمفهومه الحقوقي السليم والأصيل؛ فهو ليس مجرد "تصميم خالٍ من العوائق" يُخصص مساراً جانبياً منزوياً للأشخاص ذوي الإعاقة (مما قد يعزز الشعور بالعزلة أو التمييز، وكأننا مواطنون من الدرجة الثانية نضطر للدخول من أبواب البضائع أو الطوارئ!). بل هو تصميم يدمج الجميع من البداية. الدخول من نفس الباب الرئيسي الفخم، استخدام نفس المرافق، والشعور بنفس الانتماء والترحيب في المكان، سواء كنت مستخدماً لكرسي متحرك، أو شخصاً مسناً يعتمد على عصا، أو أماً تدفع عربة طفلها، أو حتى شخصاً يجر حقيبة سفر ثقيلة.



أكثر ما استوقفني وأثلج صدري هو الإشارة الدقيقة إلى التصنيف الدولي لتأدية الوظائف (ICF)، والمقولة العظيمة التي طُرحت في الحلقة والتي يجب أن تُكتب على واجهات كليات الهندسة: "التصميم السيئ يُعيق، والتصميم الجيد يُمكّن". هذه الجملة تُلخص صلب المادة (9) من الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة المتعلقة بإمكانية الوصول. إذا لم أستطع الدخول إلى مصرف لفتح حساب، أو جامعة لإكمال دراستي، أو مسرح لحضور فعالية ثقافية، فالخلل ليس في قدراتي الجسدية إطلاقاً، بل في المخطط الهندسي القاصر الذي أقصاني وحرمني من حقي الطبيعي في المشاركة المستقلة والفاعلة.

تكلفة "الإقصاء" المعماري والاستثمار الذكي في الدمج

من المفاهيم الخاطئة والشائعة جداً التي تم تصحيحها في الحلقة ببراعة وحجج منطقية، هي فكرة أن تطبيق التصميم الشامل مكلف مادياً ويرهق ميزانية المشاريع. لقد أثبت الضيوف بالأدلة أن المبنى الذي لا يراعي التصميم الشامل منذ وضع الرسومات الأولى هو مبنى "فاشل اقتصادياً وحضرياً"، وسيكلف أضعافاً مضاعفة لتعديله مستقبلاً. عمليات "الترقيع" المعماري اللاحقة (Retrofitting) كاستقطاع جزء من السلم لبناء منحدر عشوائي، لا تشوه الجمالية البصرية للمبنى فحسب، بل تستنزف ميزانيات ضخمة كان يمكن توفيرها بتخطيط مسبق وسليم. الاستقلالية والوصول الشامل ليسا "رفاهية" إضافية أو "منحة خيرية" تُضاف كماليات للمبنى، بل هما حق أصيل واستثمار اقتصادي واجتماعي مستدام يضمن جودة الحياة للجميع ويطيل من العمر الافتراضي للمنشآت.

كما تطرق النقاش إلى نقطة في غاية الأهمية تتعلق بالصحة النفسية والعزلة، وهو بُعد يغفل عنه الكثيرون. غياب التصميم الشامل في شوارعنا ومبانينا في ليبيا يؤدي بشكل مباشر إلى حبس الأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن في منازلهم قسراً. هذا الحبس المعماري يجرّد الشخص من مواطنته الفاعلة، مما يولد الاكتئاب، وتدهور الصحة العامة بسبب قلة الحركة، ويزيد من عبء الاعتماد على الآخرين. الحق في الوصول المهيأ هو في جوهره خط الدفاع الأول عن الحق في الحياة والمشاركة والاندماج المجتمعي.

من واقع إقامتي ببريطانيا: التصميم الشامل يتجاوز العمارة للعالم الرقمي

كمقيم في المملكة المتحدة، ألمس كيف أن مفهوم "التصميم الشامل" يتجاوز المباني ليمتد إلى التكنولوجيا. فالنموذج البريطاني (مثل إرشادات وزارة التعليم للخدمات الرقمية) يُسقط المبادئ السبعة للتصميم الشامل بصرامة على المنصات الإلكترونية.

تتجسد هذه الفلسفة في ضمان الاستخدام العادل والمرن للجميع دون تمييز، والاعتماد على البساطة والبديهية لتقليل العبء الإدراكي. وتركز على توفير معلومات قابلة للإدراك بمختلف الحواس (كقارئات الشاشة أو الترجمات النصية)، مع مراعاة التسامح مع الأخطاء لتجنيب المستخدم الإحباط. كما تضمن أقل جهد بدني وذهني للتصفح، وتوفر حجماً ومساحة تفاعل مناسبين.

هذا التناغم بين الإتاحة المعمارية والرقمية هو ما نصبو إليه؛ فاستقلاليتنا تكتمل حين ندخل مبنى بكرسي متحرك بسلاسة، وننجز معاملاتنا عبر تطبيقاته بنفس الكفاءة ودون مساعدة.

رسالة إلى صناع القرار والمجتمع

في الختام، أدعو كل مهندس معماري، وكل طالب هندسة، وكل صانع قرار أو مقاول في ليبيا لمشاهدة هذه الحلقة بتمعن. نحتاج إلى دمج مبادئ "التصميم الشامل" في المناهج الأكاديمية للجامعات الليبية كشرط أساسي للتخرج، وليس كمادة اختيارية أو اجتهاد شخصي. كما أدعو نقابة المهندسين والبلديات إلى عدم منح تراخيص البناء للمباني العامة التي لا تلتزم بهذه المعايير الإنسانية والحقوقية.

مشاركة المقال
شارك
✓ تم نسخ النص