أهلاً بكم أصدقائي ومتابعي المدونة.
أن تتمكن من الوصول إلى مكان عملك، أو دخول مستشفى لإجراء فحص طبي، أو حتى استقلال حافلة النقل العام؛ هي أفعال يومية بديهية ومكفولة للجميع. ولكن، عندما نتحدث من منظور "النموذج الاجتماعي للإعاقة"، ندرك أن المجتمع والبيئة المحيطة هما من يخلقان الإعاقة عندما يضعان الحواجز المعمارية التي تجعل هذه الأفعال البسيطة مستحيلة.
اليوم، أقف عند تقرير مهم نشرته منصة (Fanpage.it) الإيطالية، يسلط الضوء على واقع حقوقي صادم في إيطاليا، والذي يمكننا إسقاطه كدرس عملي على واقعنا المحلي والعربي في مجال حق الوصول (Accessibility).
خطط القضاء على الحواجز: 40 عاماً من التهرب
في إيطاليا، يُلزم القانون (رقم 41 لسنة 1986) جميع البلديات بوضع ما يُعرف بـ (PEBA) وهي "خطط القضاء على الحواجز المعمارية" في الأماكن العامة، وقد تم توسيع هذا القانون لاحقاً في 1992 ليشمل كل المساحات الحضرية (شوارع، أرصفة، ميادين، ومواصلات).
الهدف من هذه الخطط ليس مجرد وعود، بل هي أدوات تنفيذية ملزمة تحدد الميزانيات والأولويات لجعل المدن قابلة للوصول. لكن الصدمة التي كشف عنها تحقيق أجرته "جمعية لوكا كوشيوني" (Associazione Luca Coscioni)، هي أنه بعد مرور 40 عاماً على صدور القانون، ثُلث عواصم المقاطعات الإيطالية فقط (حوالي 37.2%) تمتلك خطة معتمدة فعلياً!
غياب إمكانية الوصول: انتهاك للحقوق وليس مجرد عجز إداري
هنا نأتي للنقطة الأهم من الناحية الحقوقية. قد يظن البعض أن عدم تجهيز رصيف أو غياب مصعد هو مجرد "تقصير إداري" أو "نقص في الميزانية". لكن المحاكم الإيطالية (بناءً على دعاوى رفعها مواطنون ذوو إعاقة) أرست مبدأً قانونياً عظيماً: "غياب خطط القضاء على الحواجز المعمارية ليس مجرد خطأ إداري، بل هو اعتداء مباشر على حقوق الإنسان".
هذا التوجه القضائي يتماشى تماماً مع المادة (9) من الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD)، التي تلزم الدول باتخاذ التدابير المناسبة لضمان إمكانية وصول الأشخاص ذوي الإعاقة، على قدم المساواة مع غيرهم، إلى البيئة المادية المحيطة والمرافق والخدمات.
كما صرح
"روكو بيراردو"، منسق حملات الإعاقة في الجمعية: "المحاكم اعترفت بمسؤولية البلديات في إعاقة الاندماج والحياة الاجتماعية والمدنية للشخص ذي الإعاقة... ليس فقط لعدم إزالتها للحاجز، بل لاستمرارها في التهرب من وضع خطة ملزمة لمدة 40 عاماً".
ماذا يعني هذا لنا؟
إذا كانت دولة أوروبية تمتلك تشريعات صارمة منذ أربعة عقود لا تزال تكافح لتطبيق حق الوصول، فهذا يدق ناقوس الخطر لدينا. إمكانية الوصول ليست "خدمة رفاهية" أو إحساناً من السلطات المحلية؛ إنها حجر الأساس لضمان العيش المستقل والتعليم الدمجي والتوظيف العادل. بدون مدن مهيأة، نحن نحكم على شريحة واسعة من المجتمع بالعزل القسري.
نحن بحاجة إلى تفعيل القوانين المحلية، ومطالبة المجالس البلدية في مدننا بوضع "خطط استراتيجية ملزمة" وشفافة لإزالة الحواجز المكانية والتقنية، بمشاركة فعلية من الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم، عملاً بشعارنا الدائم: "لا شيء يخصنا بدوننا".