في عالم الدراما، غالباً ما نبحث عن مساحة للهروب من الواقع، لكن الأعمال الاستثنائية هي تلك التي تعيدنا إليه بوعي أكبر وبصيرة أعمق. هذا العام، ومن خلال متابعتي للأعمال المحلية، توقفت كثيراً عند مسلسل "مستقبل زاهر 2 - الغربان"، وهو عمل درامي من إخراج وتأليف نزار الحراري، وبطولة نخبة من النجوم. تعود هذه الدراما في موسم ثانٍ تتصاعد فيه الأحداث بشكل جذري عن الجزء الأول، لتدخلنا في دوامة جديدة تبدأ بنهاية صادمة لـ "العقيد عمر"، وتأخذنا إلى قلب صراعات مستشفى "وادي السدر" وحُكم "الروافع الجُدد"، وسط تساؤلات أعمق حول الفساد الممنهج، مافيا الأزمات، وقيم المجتمع.
ورغم أن المسلسل لا يزال يُعرض ولم تكتمل حلقاته بعد، إلا أن ما شاهدته وتابعته حتى الآن يثبت أن هذا العمل لم يكتفِ بكونه مساحة للترفيه الرمضاني أو الدرامي، بل ظهر بذكاء فني واضح ليصبح إسقاطاً مباشراً على واقعنا الليبي المعاصر.
نضج درامي، ديستوبيا الواقع، و"1984" بنسخة ليبية
لقد غاص العمل بجرأة في عوالم مظلمة ومتشابكة، مستغلاً هامشاً مهماً من الحرية ليصور بلدنا وكأنها تعيش حالة من الـ "ديستوبيا" مجتمع مروع تسوده الفوضى. هذا التصوير المظلم يعيد للأذهان أجواء رواية "1984" الشهيرة للكاتب جورج أورويل، ولكن مع انعكاس محلي مرعب: "الأخ الأكبر" هنا ليس جهة واحدة تراقبك، بل هو "نظام فساد شامل" تغلغل كالأخطبوط في جميع دوائر الدولة ومؤسساتها. في هذا الواقع، تتصارع يوميات المواطن البسيط مع قوى الاستغلال والفساد الممنهج، حيث تتحكم مافيات الأزمات بمصيره تماماً كما كان يفعل الحزب الشمولي في الرواية.
وهنا تتفق رؤيتي مع القراءة النقدية العميقة التي نشرتها صحيفة "الصباح" الليبية، والتي أشارت ببراعة إلى أن المسلسل افتتح موسمه الثاني بنهاية صادمة وانتحار "العقيد عمر"، ليعلن بداية حُكم "الروافع الجُدد". لقد وضعنا العمل أمام مفارقة واقعية وصادمة داخل أروقة مستشفى "وادي السدر"، حيث تُكتب الفصول الأخيرة لشخصيتين متناقضتين: الشخصية الإجرامية (الحاج رافع) والضابط الوطني (الأفندي عمر). وكما وصفتها الصحيفة بدقة، هي "قصة غريبة لا تحدث إلا في دولة منهارة تعيش على سحق الضعيف واحترام القوي".
هذا التوجه تعمق أكثر مع استعراض ظواهر مجتمعية طفت على السطح، مثل "مشاهير التفاهة" التي جسدها المسلسل بذكاء عبر شخصية "مفتاح إنجليزي" القادمة من عالم (التيك توك)، حيث لا يهم المحتوى أو الاحترام، بل الأهم هو حصد المشاهدات في مجتمع فقد بوصلته وسط هذه الديستوبيا.
البعد الحقوقي: مافيا الأدوية والانهيار النفسي
بصفتي مدوناً وناشطاً حقوقياً، لا يمكنني مشاهدة هذا العمل بمعزل عن نظارتي الحقوقية. إن القضايا التي يطرحها "مستقبل زاهر 2" تتقاطع بشكل مباشر مع صلب عملنا في الدفاع عن حقوق الإنسان والفئات الهشة.
من أهم ما يميز هذا الجزء هو استثمار المخرج والكاتب "نزار الحراري" لخلفيته الطبية لكشف النقاب عن "مافيا أدوية الأورام والأمراض المزمنة". هذا الطرح الجريء يجسد حرفياً العوائق المؤسسية والفساد الذي نتحدث عنه دائماً في "النموذج الاجتماعي للإعاقة". الفساد في قطاع الصحة والمتاجرة بأرواح المرضى هما أكبر انتهاك للحق في الحياة والحق في العلاج. الفئات الهشة والأشخاص ذوو الإعاقة هم أول من يدفع ثمن هذا الفساد الممنهج وجشع البارونات.
ولعل الجملة الأكثر رعباً وواقعية التي تكررت منذ الحلقة الأولى، وكما أبرزتها صحيفة الصباح: "الليبيين جميعهم يحتاجون للعلاج النفسي". هذه العبارة تلخص حجم الصدمة الجماعية. كل أبطال العمل، بمراكزهم الأمنية والسياسية والاجتماعية، يحتاجون لعلاج نفسي لأنهم يعيشون في منطقة واحدة داخل "وطن ضائع اسمه ليبيا، ترك مستقبله الزاهر يواجه مصيره خارج الحدود".
ملاحظة فنية وحقوقية: لحظات الضعف و"كرسي الحاج رافع"
في سياق الحديث عن الضعف البشري، توقفت عند مشهد تأثر "الحاج رافع" واعترافه بشجاعة عدوه "الأفندي عمر". هذا المشهد، الذي يبرز الضعف النفسي والجسدي لشخصية لم تعرف سوى القوة، كان مؤثراً جداً.
ولكن، بالرغم من إعجابي الشديد بالعمل وجرأته، إلا أن هناك تفصيلة فنية وحقوقية لا يمكنني تجاوزها كمدون مهتم بالتقنية وقضايا الإعاقة، وتتعلق تحديداً بالكرسي المتحرك الكهربائي الذي يستخدمه "الحاج رافع" في لحظات ضعفه الجسدي. الكرسي الذي ظهر في المشاهد هو في الأساس من الفئة الرخيصة جداً، والتعديلات التي أُضيفت عليه كانت غير منطقية بتاتاً ولا تتناسب هندسياً أو عملياً مع هيكل هذا النوع من الكراسي. كنت أتمنى من صناع العمل إيلاء اهتمام أكبر لهذه التفاصيل، لأن واقعية "الأدوات المُعينة" (Assistive Devices) تعكس مدى الفهم الحقيقي لواقع الأشخاص ذوي الإعاقة، ولا تقل أهمية عن واقعية النص الدرامي نفسه.
نترقب النهاية
حتى قبل أن يسدل الستار على حلقته الأخيرة، أثبت "مستقبل زاهر 2 - الغربان" أنه ليس مجرد مسلسل، بل هو وثيقة درامية ومحاكمة فنية لواقع يحتاج إلى التغيير. الدراما هنا لم تستجدِ عواطفنا بل استفزت عقولنا وضمائرنا. أنا أترقب بشغف كيف ستختتم هذه الملحمة الدرامية، وأتمنى أن نرى المزيد من الأعمال التي تعزز الوعي المجتمعي، وتدعم استقلالية الفرد في التفكير والنقد، وتُمهد الطريق لمستقبل "زاهر" حقيقي مبني على العدالة، الحقوق، والمساواة للجميع.