Loading... | ... | 00:00

الدمج الشامل: التزام هيكلي وليس خياراً أو إحساناً قراءة في الواقع الليبي

مشاركة

 

لطالما تحدثنا عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، لكننا اليوم نحتاج إلى وقفة جادة لمراجعة المفاهيم وإسقاطها على واقعنا المحلي في ليبيا. الحقوق لم تُشرع لتكون مريحة للأنظمة، بل وُجدت لتُفرض. الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD) والتي صادقت عليها ليبيا لم تُصمم يوماً لتجعل المجتمعات أكثر عطفاً ورحمةً أو لتكريس ثقافة الشفقة والإحسان، بل طالبت بشكل صريح بإعادة تصميم الأنظمة ذاتها من جذورها وفقاً لمبادئ "النموذج الاجتماعي للإعاقة".

متلازمة "الإجراء الفني" وعقلية الرعاية في ليبيا

اليوم، يُعامل الدمج في مؤسساتنا للأسف وكأنه مجرد إجراء فني روتيني. نرى بعض الجهود تتركز على بناء منحدر (غالباً غير مطابق للمواصفات) أمام مبنى حكومي، أو إطلاق حملة توعوية موسمية، بينما يظل الإقصاء العميق متجذراً في أنظمة التعليم، وسوق العمل الليبي بشقيه العام والخاص.

في ليبيا، لا نزال نعاني من "عقلية الرعاية"؛ حيث يُنظر إلى الشخص ذي الإعاقة كـ "مستفيد" من معاشات صندوق التضامن الاجتماعي، وليس كـ "مواطن" له حقوق سياسية واقتصادية كاملة. لقد طبّعنا مع تناقض خطير: لغة الحقوق موجودة في الخطابات الرسمية، لكن دون انتقال حقيقي للسلطة أو تغيير في التشريعات المتقادمة مثل القانون رقم 5 لسنة 1987.

إعادة الإعمار والفاعلية: جوهر الاتفاقية الدولية

تشهد ليبيا اليوم مشاريع إعادة إعمار واسعة في مدن مختلفة. المبدأ الأكثر جذرية في الاتفاقية الدولية (CRPD) ليس مجرد "إمكانية الوصول" المادية لهذه المباني الجديدة، بل هو الاستقلالية والفاعلية (Agency).

أين الأشخاص ذوو الإعاقة من لجان إعادة الإعمار؟ أين هم في المجالس البلدية؟ يجب على الأشخاص ذوي الإعاقة في ليبيا أن يكونوا هم من يحدد أولويات البنية التحتية، ويشكلون المؤسسات، ويمارسون سلطتهم الكاملة على القرارات. يجب أن ندرك حقيقة قاطعة: الدمج الذي يتوقف عند حد "التقاط الصور في المناسبات" أو "الاستشارة الشكلية" ليس دمجاً، بل هو احتواء وتهميش مبطن.

مستقبل الدمج في ليبيا: من يقود المشهد؟

مستقبل دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في مجتمعنا لن يتحدد بمزيد من الوعود أو الندوات. بل سيتحدد بالإجابة عن أسئلة مفصلية:

  • من يقود المشهد التشريعي والتنفيذي؟
  • من يتحكم في الميزانيات المخصصة للترتيبات التيسيرية والتعليم الدمجي؟
  • وعلى مقاس من تُصمم المدن والمرافق الليبية الجديدة؟

إذا استمر التعامل مع الإعاقة في مؤسساتنا على أنها "حالة إنسانية تتطلب الشفقة والزكاة" بدلاً من كونها "قضية حقوق إنسان وتكافؤ فرص"، فسيبقى الدمج دائماً مشروطاً ومنقوصاً.

السؤال الحقيقي والمُلح اليوم لم يعد: "كيف ندمج الأشخاص ذوي الإعاقة؟". بل يجب أن يكون: "لماذا لا يزال الأشخاص ذوو الإعاقة في ليبيا مُقصيين من قيادة وتشكيل المجتمع الذي يعيشون فيه؟".

الدمج ليس منّة، وليس خدمة تُقدم تفضلاً؛ إنه حق أساسي وملزم. وما لم يُعامل على هذا الأساس قانونياً وهيكلياً، فكأن شيئاً لم يتغير.

مشاركة المقال
if (!tooltip.contains(e.target) && window.getSelection().isCollapsed) { hideTooltip(); } }); })(); // ]]>