أكتب إليكم اليوم، ليس فقط كـ "عبسي" أو عبدالسلام شليبك، بل كواحد من آلاف الأشخاص ذوي الإعاقة في ليبيا الذين يشعرون بمرارة عميقة. فبعد مرور أكثر من أربعة عقود على تأسيس أولى المؤسسات التي يُفترض أن ترعانا، لا نزال، نحن، نعيش خارج أولويات الدولة.
المفارقة التي أعيشها وأراها كل يوم هي أنه كلما زاد عدد الهيئات واللجان التي أُنشئت لتمثيلنا، اتسعت الفجوة بين الوعود التي نسمعها والواقع الذي نعيشه. إنه "ازدحام مؤسسي" نتيجته فراغ تام في الأثر.
وما ساعد على تفاقم هذا الإهمال هو حالة الفوضى العامة التي تعيشها البلاد. فمع وجود تحديات أكبر تواجه الدولة، لا يتم تسليط الضوء الكافي على قضيتنا، وكأنها أصبحت في ذيل قائمة الأولويات المزدحمة أصلاً.
فوضى مؤسسية نراها بأعيننا
الأزمة واضحة لكل ذي بصيرة. وكما أشار زميلي الكاتب والناشط الحقوقي صلاح كحيل
: "وجود عدد كبير من الأجسام واللجان التي تُعنى بشريحة الأشخاص ذوي الإعاقة، لكن الواقع الذي يعيشه أفراد هذه الشريحة يظهر وكأن هذه الأجسام غير موجودة على الإطلاق".
وهذا هو الواقع تماماً. انظروا إلى هذا التضخم في الهياكل الإدارية التي تتداخل وتتنافس دون أي تنسيق:
- المجلس الوطني لرعاية حقوق ذوي الإعاقة.
- الهيئة العامة لصندوق التضامن الاجتماعي.
- اللجنة العليا لرعاية المعاقين (موقوفة).
- الرابطة العامة للأشخاص ذوي الإعاقة (موقوفة).
- اللجنة البارالمبية الليبية.
- المركز الوطني لأبحاث الإعاقة.
- اللجنة الوطنية لرعاية المعاقين.
- المفوضية العليا لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة.
كل هذه الأسماء الرنانة، التي تخلط بين الخدمي والحقوقي والبحثي، لم تؤدِ إلا إلى تشتيت جهودنا وإهدار أموالنا دون أي نتائج نلمسها نحن.
هُوّة سحيقة بين الوعود وحياتنا
نسمع عن الميزانيات التي تُخصص سنويًا باسمنا، ولكن أين هي؟ مراكز تأهيلنا متوقفة أو تعمل بالحد الأدنى. فرص عملنا نادرة. دعمنا المادي غير منتظم. وحتى أبسط حقوقنا في الوصول إلى المرافق العامة لا يزال حلماً بعيد المنال.
لقد تحولت الوعود إلى حبر على ورق، وبقيت حياتنا رهينة لبيروقراطية معقدة لا تقدم لنا أي حلول.
استغلال ممنهج أم سوء إدارة؟
بالنسبة لي، القضية تتجاوز مجرد سوء الإدارة أو ضعف الأداء. ما أراه هو استغلال ممنهج لقضيتنا.
وهنا أقولها بوضوح:
"لا بد من صحوة كبيرة، هناك استغلال وملايين تُصرف باسمنا دون أن تلامس الواقع، بل على العكس هناك من يستغل هذا الشيء."
لقد تحولت قضيتنا الإنسانية، للأسف، إلى باب للانتفاع الشخصي والظهور الإعلامي للبعض، بدلاً من أن تكون قضية وطنية هدفها تمكيننا ودمجنا بشكل فعلي.
وهنا، نحن لا نهاجم أحداً بعينه. بل لا بد لنا من الاعتراف بفشلنا كمؤسسات خلال السنين التي فاتت. لقد أصبحنا بعيدين جداً عن الواقع، برغم وجود نوايا حسنة في بعض الأحيان.
ما نطالب به: المساءلة والتمثيل الحقيقي
الحل الذي نطالب به ليس في إنشاء جسم جديد يُضاف إلى قائمة الفشل. الحل يكمن في إعادة هيكلة هذه المنظومة على أسس من الشفافية والمساءلة.
ما نحتاجه هو كيان وطني موحد ومستقل، يمتلك صلاحيات تنفيذية حقيقية ويخضع لتقييم دقيق بناءً على الأداء والنتائج، لا على المناصب والأسماء.
والأهم من ذلك كله: يجب تفعيل مشاركتنا نحن، الأشخاص ذوي الإعاقة، في صياغة السياسات وتحديد أولوياتنا. هذا ليس تفضلاً من أحد، بل هو حقنا والتزام قانوني نصت عليه اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي صادقت عليها ليبيا عام 2018.
والغريب أن الإرادة السياسية، نظرياً، تتعاطف مع حقوقنا. والدليل هو توقيع ليبيا على الاتفاقية الدولية، وامتلاكنا قوانين أعتبرها فريدة من نوعها في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط، بعضها يعود للثمانينات. لكن هذه القوانين الممتازة على الورق، أصبحت اليوم بحاجة لتعديل لتواكب تطور العصر، والأهم، هي بحاجة للتنفيذ الفعلي.
وهنا يكمن جوهر التحول الذي نناضل من أجله: لقد انتقلت قضيتنا من مفهوم "الرعاية" الذي يُقدم كمنّة، إلى مفهوم "الحقوق" الذي يُلزم الدولة بموجب القانون والاتفاقيات الدولية. ما نطالب به ليس إحساناً، بل هو حقنا الأصيل.
الشفافية أولاً: أين تذهب أموالنا؟
تنص المادة (33) من الاتفاقية الدولية على ضرورة وجود هيئات وطنية مستقلة للرصد والمتابعة. وفي قلب هذا الرصد تقع الشفافية في إدارة الموارد المالية المخصصة لبرامج الإعاقة.
إن غياب هذه الشفافية في ليبيا ليس مجرد خلل إداري، بل هو انتهاك صريح لالتزامات الدولة تجاهنا. إن صرف الأموال باسمنا دون أن تُترجم إلى خدمات ملموسة هو إهمال مؤسسي لا يمكنني السكوت عنه بعد الآن.
لن نسكت عن حقنا
وكما لخصها زميلي صلاح كحيل: "لابد من أن يتغير هذا الواقع المرير... ولابد للحق والخير أن ينتصرا، ولو بعد حين".
وأنا أضم صوتي لصوته، وأقول إن النوايا الحسنة والتصريحات الرنانة لا تكفينا. حقوقنا لا تُمنح بالوعود، بل تُنتزع بالمساءلة، وتُبنى بالشفافية، وتتحقق بالصدق في النية والعمل.