في حوار مع منصة ليبيا للأفلام، كشف المخرج الليبي أسامة رزق عن مسيرته الغنية بين الدراما والسينما، مستعرضًا تجاربه التي امتدت من الأفلام الوثائقية إلى المسلسلات الطويلة والقصيرة، مع تركيزه الدائم على التنوع والابتعاد عن التكرار.
من الوثائقي إلى السينما
بدأ رزق تجربته بأفلام وثائقية، أبرزها النيهوم… سيد الكلمات (2008)، الذي وثّق حياة الأديب الليبي الصادق النيهوم بين طرابلس وبيروت وبنغازي. تبع ذلك فيلم العشوائي الذي شارك في 16 مهرجانًا دوليًا وفاز بعدة جوائز، وفيلم الباروني (2021) أول فيلم تاريخي طويل عن المناضل الليبي سليمان الباروني، ثم فيلمه القصير صعود (2023) الذي تناول موضوع الفساد والمحسوبية في الدول العربية.
الدراما ونجاح المسلسلات
في الدراما، برز رزق بمسلسلات مثل بنات العم والسرايا وزنقة الريح. أعماله حققت نسب مشاهدة عالية، بالرغم من التحديات الإنتاجية في ليبيا. يوضح رزق أن المسلسلات تخاطب كل بيت، لذا فإن طرح المواضيع يحتاج إلى حذر، بينما السينما تمنحه حرية أكبر في الطرح الفني ومخاطبة جمهور اختياري.
زنقة الريح والفال… الحارة الليبية على الشاشة
كنت متحمسًا جدًا لمتابعة زنقة الريح، فهو أكثر أعمال أسامة رزق التي شدّتني. أعجبتني طريقته في إحياء الطابع التاريخي لطرابلس أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات، وكيف نجح في المزج بين الدراما والتوثيق الفني.
لكن بصراحة، حين استمعت إلى تتر المسلسل، وجدته لحنًا جميلًا ومؤثرًا في حد ذاته، غير أنه لم يعكس الروح الطرابلسية التي كنت أتوقعها، بل منحني إحساسًا أقرب إلى الأجواء التونسية، وهو ما أثار فضولي. لذلك سألت المخرج مباشرة خلال جلسة استضافته إحدى مجموعات منصة "كلوب هاوس"، فأوضح أن عدم الاستعانة بملحن ليبي كان بسبب ضيق الوقت ومتطلبات التنسيق، وهو ما تفهمته. وتجدر الإشارة إلى أن الموسيقى التصويرية وضعها الملحن التونسي ربيع الزموري.
هذا العمل أعاد إلى ذاكرتي المسلسل الكلاسيكي الفال، تأليف مصطفى المصراتي وإخراج محمد الساحلي (رحمهما الله)، الذي أُنتج عام 1987، وربما كان أول مسلسل يجسد الحارة الليبية. وهو ما يبرز استمرارية اهتمام المخرجين الليبيين بملامح الواقع المحلي، كلٌ بطريقته وزمنه.
الواقع السينمائي في ليبيا
رزق وصف السينما الليبية بأنها في وضع “تعيس” حاليًا بسبب غياب دور العرض والمعدات، ونقص الدعم المحلي والدولي. لكنه أبدى تفاؤله بالشباب الذين يسعون لإحياء صناعة الأفلام، مؤكدًا أن غياب البنية التحتية لا يمنع المبدعين من المحاولة الفردية، لكن الوصول إلى جمهور واسع يبقى شبه مستحيل.
الدراما الليبية بلمسة سينمائية
ما يميز تجربة المخرج أسامة رزق أن بعض أعماله، رغم أنها وُلدت في قالب المسلسل التلفزيوني، أُعيد تقديمها أحيانًا بطريقة تجعلها أقرب إلى فيلم سينمائي متكامل. فمسلسل الباروني جرى تجميع أهم حلقاته لتُعرض كعمل واحد طويل، مع عناية خاصة في المونتاج والتسلسل الدرامي، ما منحها روح السينما رغم أصلها التلفزيوني. هذه المعالجة خلقت تجربة مشاهدة مختلفة، تمزج بين سرد المسلسل المتسلسل وعمق العرض السينمائي، وتُظهر قدرة رزق على إعادة توظيف الدراما لتصبح أقرب إلى الشاشة الكبيرة.
أما فيلم صعود فهو عمل قصير مستقل يتكوَّن من مشهدين فقط، لكنه يعكس رؤية رزق نفسها في المزج بين الطابع الواقعي والمعالجة السينمائية المركزة، ليقدّم تجربة مشاهدة مختصرة لكنها قوية ومباشرة.
وإذا كانت السينما الليبية ما زالت في رحلة بحثها عن هوية واضحة، فإن تجربة رزق تقدم نموذجًا حيًا لهذا البحث، من خلال أعمال توازن بين البعد التاريخي واللمسة المعاصرة، وتفتح نافذة للجمهور للتعرف على تاريخ وثقافة ليبيا، لتشكل بذلك علامة فارقة في المشهد الفني المحلي والعربي.