تخيلوا أن عندكم دورة تدريبية يومية لمدة أسبوع، وأكبر تحدٍ قبل أن تبدأ الدورة ليس محتواها ولا وقتها، بل فقط: كيف ستصل إليها وتعود منها؟ هذا تقريبًا ما واجهته شخصيًا. الحصول على سيارة مهيأة ومناسبة لمستخدم كرسي متحرك في ليبيا ليس أمرًا سهلًا، وبصعوبة تمكنت من إيجاد وسيلة تناسبني خلال فترة التدريب. وهذا مثال بسيط جدًا على نوع التحديات التي قد يواجهها الشخص ذو الإعاقة في حياته اليومية.
لهذا شدتني قصة أودو، لأنها تمثل معنى مختلفًا تمامًا للتنقل. أودو طالب قانون ويستخدم كرسيًا متحركًا كهربائيًا، ومنذ عدة سنوات يقود سيارة Volkswagen T6.1 جرى تجهيزها لتناسب احتياجاته، بدل أن يُطلب منه هو أن يتكيف مع سيارة لم تُصمم أصلًا لاستخدامه.
أول ما يلفت الانتباه في السيارة هو طريقة الدخول إليها. أودو لا يحتاج إلى أن يحمله شخص آخر، ولا إلى الانتقال من كرسيه إلى مقعد منفصل، بل يدخل وهو جالس على كرسيه الكهربائي بواسطة Cassette Lift، وهو مصعد مخصص يسمح له بالصعود إلى السيارة والخروج منها بأكبر قدر ممكن من الاستقلالية. وهذه بالنسبة لي نقطة أساسية في فهم سهولة الوصول، لأنها لا تعني فقط وجود باب واسع أو منحدر، بل أن يستطيع الشخص استخدام الوسيلة فعليًا وبكرامة ودون اعتماد دائم على الآخرين.
بعد دخوله إلى السيارة، يستخدم أودو كرسيه الكهربائي PARAVAN PR 50 نفسه كمقعد للقيادة، ويتم تثبيته داخل المركبة بواسطة نظام مخصص وآمن. وهذه الجزئية قد تبدو تقنية، لكنها بالنسبة إلى كثير من الأشخاص ذوي الإعاقة شديدة الأهمية، لأن الانتقال من الكرسي المتحرك إلى مقعد السيارة قد يكون صعبًا أو مرهقًا أو حتى غير ممكن.
أما القيادة نفسها، فتتم بواسطة نظام Space Drive باستخدام عصاتي تحكم بدل المقود والدواسات التقليدية؛ إحداهما للتوجيه، والأخرى للتسارع والفرامل، إضافة إلى تجهيزات كهربائية للتحكم في عدد من وظائف السيارة. بمعنى آخر، لم يكن السؤال: كيف نجعل أودو يتأقلم مع سيارة عادية؟ بل: كيف نجعل السيارة نفسها تتكيف مع احتياجات أودو؟
بعد نحو أربع سنوات، قطع أودو أكثر من 52 ألف كيلومتر بسيارته. يذهب إلى الجامعة، يلتقي بزملائه وأساتذته، يقضي مشاويره الخاصة، ويصل إلى مواعيده الطبية دون أن يبقى السؤال حاضرًا كل يوم: من سيأخذني؟ ومتى سيأتون لإعادتي؟ وكم من الوقت أستطيع أن أبقى؟ ولهذا قال عبارته التي تختصر القصة كلها: «التنقل بالنسبة لي يعني في الحقيقة المساواة.»
وهنا بالضبط أرجع إلى واقعنا في ليبيا. إذا كان مجرد الحصول على سيارة مهيأة ليوم تدريبي أو أسبوع من التدريب يحتاج كل هذا البحث والترتيب، فكيف الحال بمن يحتاج هذه الوسيلة يوميًا للعمل أو الجامعة أو العلاج أو حتى لقضاء أبسط شؤون حياته؟
ومن هنا أرى أن المسؤولية لا يجب أن تبقى على الشخص ذي الإعاقة وأسرته وحدهم، بل يفترض أن يكون هذا الملف ضمن صميم عمل وزارة الشؤون الاجتماعية والهيئة العامة لصندوق التضامن الاجتماعي. لدينا في ليبيا أشخاص قادرون على الدراسة والعمل والإنتاج والمشاركة في المجتمع، لكن غياب وسيلة تنقل مناسبة قد يحول بينهم وبين كل ذلك.
وفي فترات سابقة تم توفير سيارات للأشخاص ذوي الإعاقة، لكن المشكلة أن السيارة التقليدية قد لا تكون مناسبة لكل الحالات. فالشخص الذي يستخدم كرسيًا كهربائيًا كبيرًا، أو يحتاج إلى مصعد للدخول، أو مساحة داخلية خاصة، أو نظام قيادة مخصص، لا يكفي أن نعطيه سيارة غير مهيأة ثم نعتبر أن المشكلة قد حُلت. السؤال الحقيقي ليس: هل وفرنا سيارة؟ بل: هل يستطيع الشخص استخدامها فعلًا وباستقلالية؟
وهنا أرى أن بإمكان وزارة الشؤون الاجتماعية، بالتعاون مع الهيئة العامة لصندوق التضامن الاجتماعي، التفكير في برنامج وطني حديث للسيارات المهيأة يعتمد على تقييم احتياجات كل شخص بشكل فردي. لأن الإعاقات ليست واحدة، والقدرات ليست واحدة، وبالتالي من غير المنطقي أن تكون الحلول واحدة للجميع.
يمكن أن تكون هناك سيارات مجهزة بمصاعد أو رامبات، وأخرى تحتاج إلى أنظمة تثبيت للكراسي المتحركة، وحالات تحتاج إلى تعديلات في أدوات القيادة، وأخرى قد تحتاج فقط إلى تجهيزات تسهّل الدخول والخروج. المهم أن يبدأ البرنامج من احتياج الشخص نفسه، لا من نوع السيارة المتوفرة.
ولا أرى أيضًا أن الدولة مطالبة دائمًا بتحمل التكلفة كاملة لكل شخص. يمكن تصميم منظومة تجمع بين الدعم المباشر، والمساهمة الجزئية، والتقسيط الطويل والمريح وفق دخل الشخص وحالته ودرجة حاجته. ويمكن أن تتولى الهيئة العامة لصندوق التضامن الاجتماعي جانبًا من التمويل أو الدعم، بينما تشرف وزارة الشؤون الاجتماعية على السياسة والمعايير والضوابط وضمان عدالة الوصول إلى البرنامج.
بهذا الشكل، لا يصبح الدعم مجرد سيارة تُسلَّم للمستفيد وتنتهي القصة، بل يتحول إلى مشروع حقيقي للاستقلال والإدماج. لأن الإدماج الحقيقي ليس أن نقول للشخص ذي الإعاقة: هذه سيارة، دبر نفسك بها، بل أن نسأله: ما الذي تحتاجه حتى تستطيع التنقل بنفسك؟
الشخص الذي يستطيع الوصول إلى جامعته أو عمله أو نشاطه الاجتماعي باستقلالية قد يصبح أقل اعتمادًا على أسرته وعلى خدمات النقل وعلى المساعدة المستمرة. وهنا تصبح السيارة المهيأة ليست مجرد مساعدة اجتماعية، بل استثمارًا في الإنسان وفي قدرته على الاستقلال والمشاركة.
قصة أودو وقطعه أكثر من 52 ألف كيلومتر توضح لنا أن التكنولوجيا لم تمنحه امتيازًا فوق الآخرين، بل أزالت حواجز كانت تمنعه من ممارسة حياته مثلهم. وهذا هو الفرق بين الإعانة والإدماج؛ الإعانة قد تساعدك لفترة، أما الإدماج الحقيقي فيعطيك الأدوات التي تساعدك على الاعتماد على نفسك قدر الإمكان.
سهولة الوصول ليست تكلفة إضافية… بل طريق إلى الاستقلال، والمشاركة، والمساواة.
