صدر قرار اعتماد جدول موحد للمرتبات للعاملين في القطاعات والوحدات الإدارية الممولة من الخزانة العامة، في إطار ما وصفته الحكومة بالسعي إلى تحقيق «العدالة الاجتماعية» ومعالجة التفاوت بين موظفي الدولة. والقرار يتضمن أيضًا إلغاء جداول خاصة سابقة، مع إعداد مقترح لعلاوات الوظائف ذات الطبيعة الخاصة.
من حيث المبدأ، لا أعتقد أن تحسين مرتبات الموظفين أمر يمكن الاعتراض عليه. بالعكس، كثير من الليبيين يحتاجون اليوم إلى تحسين حقيقي في دخولهم أمام ارتفاع تكاليف المعيشة. لكن عندما نستخدم مصطلحًا بحجم «العدالة الاجتماعية»، يصبح من حقنا أن نفتح الملف كاملًا، لا أن نكتفي بجدول الموظف العادي وزيادة 10%.
السؤال الذي يهمني هو: عدالة بين من ومن؟
هل تشمل العدالة نفسها أعضاء مجلس النواب والوزراء وكبار المسؤولين؟ وهل تشمل العاملين في السفارات والبعثات وما يرتبط ببعض هذه الوظائف من بدلات ومزايا؟ وهل تمتد إلى عضويات مجالس الإدارات في المؤسسات والشركات والمصارف العامة، وما قد يرتبط بها من مكافآت؟ وهل يستطيع المواطن أصلًا أن يعرف بسهولة التكلفة الإجمالية لكل منصب عام، وليس فقط الرقم الأساسي المكتوب في جدول مرتب؟
أنا لا أطالب بأن يتقاضى الوزير مرتب موظف عادي، ولا بأن يتساوى الجميع في الدخل. هذا غير منطقي. المسؤولية، والتخصص، والخبرة، والمخاطر، وطبيعة الوظيفة كلها أسباب مشروعة لوجود فروق في الأجور. لكن الفرق يجب أن يكون قابلًا للتفسير والدفاع عنه أمام المجتمع، خصوصًا عندما تأتي الأموال كلها من الخزانة العامة.
فالمال العام ليس مرتب الموظف البسيط فقط. مرتب المسؤول من المال العام، والبدلات والمزايا الرسمية من المال العام، والمكافآت التي تدفعها المؤسسات العامة من المال العام. هذه ليست أموالًا ورثها أحد عن أجداده، ولذلك السؤال عنها ليس تدخلاً في شأن شخصي، بل سؤال طبيعي عن كيفية توزيع موارد الدولة.
وهنا بالنسبة لي نصل إلى الاختبار الأهم: الأشخاص ذوو الإعاقة والمعاش الأساسي.
عندما نتحدث عن العدالة الاجتماعية، لا يكفيني أن أعرف أن هناك زيادة بنسبة معينة. أريد أن أعرف أولًا: هل الدخل الأساسي الذي يحصل عليه شخص من ذوي الإعاقة يكفي فعلًا لحياة كريمة؟
الشخص ذو الإعاقة لا يواجه فقط المصاريف التي يواجهها أي مواطن آخر. قد يحتاج إلى دواء وعلاج ومستلزمات طبية وكرسي متحرك وصيانته وبطارياته، وقد يحتاج إلى مساعدة شخصية أو وسيلة نقل خاصة لأن النقل العام والبيئة العمرانية غير مهيئين بما يكفي.
بمعنى آخر، قد تكون لديه تكلفة إضافية للإعاقة قبل أن يبدأ أصلًا في حساب الطعام والكهرباء والسكن وبقية متطلبات الحياة.
فإذا كان شخص يعتمد على معاش أساسي محدود، وفي الدولة نفسها مسؤول أو صاحب منصب يتقاضى أضعاف دخله من المصدر العام نفسه، فلا يكفي أن نقول إن العدالة موجودة لأن الجميع خضعوا لجدول أو نسبة زيادة.
هنا أسأل ببساطة: كم يجب أن يكون الفرق حتى نعتبره منطقيًا؟
هل احتياجات المسؤول الأساسية أكبر بعشرات المرات من احتياجات شخص ذي إعاقة شديدة؟ هل دواؤه أغلى بعشرات المرات؟ هل تنقله أكثر كلفة؟ أم أن الشخص ذو الإعاقة هو الذي قد يتحمل تكاليف إضافية فقط لكي يستطيع الوصول إلى الحد الأدنى من الحياة الطبيعية؟
أنا لا أقول إن الاثنين يجب أن يتساويا في الراتب، لكنني أقول إن كلمة «العدالة» تفرض علينا أن ننظر أيضًا إلى حجم الفجوة، وليس فقط إلى النسبة التي زاد بها كل طرف.
ثم هناك ما يجعل السؤال أكثر إلحاحًا: ما حدث في قطاع التعليم.
منذ بداية العام الدراسي دخل المعلمون في احتجاجات وإضراب واسع أدى إلى تعطل الدراسة في مدارس عديدة لأسابيع. والمطالب المعلنة لم تكن «أعطونا 10%» فقط؛ بل شملت تحسين الأوضاع المالية والوظيفية، وصرف المستحقات، والتأمين الصحي، وتفعيل الحقوق والتشريعات المرتبطة بالمعلمين. وحتى عند الإعلان عن رفع الاعتصام، كان الاتفاق المعلن يتضمن إلى جانب جدول المرتبات صرف علاوة الحصة وضمان استمرارها.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: إذا كانت المدارس قد بقيت مضطربة لأسابيع، فهل كانت المشكلة كلها فعلًا 10%؟ وهل هذا تحديدًا ما كان يطالب به المعلمون؟
النقابات نفسها كانت تطالب قبل صدور القرار بمنظومة أجور عادلة تتناسب مع تكاليف المعيشة وسعر الصرف، إلى جانب معالجة أوضاع المتقاعدين. أي أن النقاش كان أوسع من مجرد إضافة نسبة موحدة إلى جدول قديم.
والصورة في قطاع الصحة لا تختلف كثيرًا.
العاملون في القطاع الصحي احتجوا وطالبوا بقضايا تتجاوز الراتب الأساسي، منها التأمين الصحي، وعلاوة الخطر، وعلاوات العمل في المناطق النائية، والمستحقات والترقيات والتسويات وتحسين الحقوق المهنية. وزارة الصحة نفسها عقدت اجتماعات مع ممثلي النقابات والحراك لمناقشة هذه الملفات.
فهل مطلب الطبيب والممرض والفني كان 10% فقط؟
إذا كانت المطالب تشمل الخطر والتأمين والترقيات وبيئة العمل والاستقرار المهني، فإن وضع زيادة موحدة لا يعني تلقائيًا أن أصل المشكلة قد انتهى.
وهنا نصل إلى المشكلة الأساسية في طريقة فهم العدالة.
10% من دخل منخفض ليست مثل 10% من دخل مرتفع.
قد تكون النسبة متساوية رياضيًا، لكن قيمتها وتأثيرها على حياة الناس مختلفان جذريًا. ولذلك فالمساواة في النسبة لا تعني بالضرورة العدالة في النتيجة.
إذا أردنا الحديث جديًا عن العدالة الاجتماعية، فعلينا أن نضع الصورة كلها أمام الناس: مرتبات الموظفين، وتكلفة المناصب العليا، والبدلات والمكافآت، وعضويات مجالس الإدارات، والمزايا في السفارات والبعثات، والمعاشات الأساسية، وأوضاع المتقاعدين، وتكاليف الإعاقة، ثم نسأل عن المعايير التي على أساسها توزع هذه الأموال.
عندها نستطيع فعلًا أن نناقش العدالة.
أما أن نعرض جدول الموظفين ونقول إن زيادة 10% حققت العدالة الاجتماعية، فهذه بالنسبة لي عبارة تحتاج إلى أدلة أكثر من مجرد جدول.
وهناك جانب آخر لا أستطيع تجاهله: أين الخطاب الديني من هذا كله؟
أين المفتي؟ وأين علماء الدين ورجال الدين عندما نتحدث عن العدالة في توزيع المال العام؟
أنا لا أطلب من رجل الدين أن يحدد مرتب الوزير أو يضع جدول الأجور؛ فهذا شأن اقتصادي وتشريعي وإداري. لكن إذا كان الخطاب الديني حاضرًا في كثير من تفاصيل حياة الناس، فمن الطبيعي أن يكون حاضرًا أيضًا عند الحديث عن الأمانة في المال العام، وحماية الضعيف، والإنصاف، والامتيازات، والفوارق الكبيرة بين من يحصلون على أموال من الخزانة نفسها.
فالقرآن يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾.
ومن هنا يصبح السؤال أخلاقيًا بقدر ما هو اقتصادي: إذا كانت هناك فئات لا تستطيع تغطية احتياجاتها الأساسية، وفي مقدمتها بعض الأشخاص ذوي الإعاقة، بينما توجد في الطرف الآخر دخول ومزايا أعلى بكثير ممولة من المال العام نفسه، فهل يكفي أن نقول إن النظام عادل لأن الجميع حصلوا على نسبة واحدة؟
بالنسبة لي، كشخص من ذوي الإعاقة، العدالة الاجتماعية ليست عبارة تُكتب في بيان رسمي.
العدالة أن يستطيع الشخص أن يشتري دواءه، ويصون كرسيه المتحرك، ويوفر بطارياته، ويصل إلى المستشفى، ويجد وسيلة نقل مهيأة، ويعيش الشهر بكرامة دون أن يختار كل مرة بين احتياجين أساسيين.
لذلك، قبل أن نقول إن العدالة الاجتماعية تحققت بزيادة 10%، علينا أن نسأل: هل أصبح المعاش الأساسي كافيًا لحياة كريمة؟ هل عولجت أسباب احتجاج المعلمين فعلًا؟ هل تمت معالجة مطالب العاملين في الصحة؟ وهل يستطيع المواطن أن يعرف بوضوح ماذا تحصل عليه المناصب العليا من مرتبات وبدلات ومكافآت من المال العام؟
إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابات واضحة، فربما الأدق أن نسمي ما حدث باسمه:
زيادة وجدول جديد للمرتبات.
أما العدالة الاجتماعية، فهي أكبر بكثير من 10%.
والسؤال الذي سيبقى بالنسبة لي هو:
من يحصل على كم من مال الدولة؟ ولماذا؟ وهل يستطيع الشخص ذو الإعاقة الموجود في أسفل سلم الدخل أن ينظر إلى هذه المنظومة ويقول فعلًا: نعم، هذه عدالة؟
