Loading... | ... | 00:00

الأمم المتحدة… هل أصبحت عاجزة حتى عن إقناعنا بجدوى اجتماعها السنوي؟

مشاركة

وأنا أتابع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام، أشعر أننا أمام كوميديا سوداء غير طبيعية. تخيل: تجمع عددًا هائلًا من قادة العالم، وزراء ووفودًا ومستشارين، وتُغلق شوارع نيويورك وتُصرف أموال ضخمة على السفر والإقامة والأمن والبروتوكول، على أساس أن هؤلاء جاؤوا لمناقشة حروب وأزمات تهدد حياة ملايين البشر، ثم تتحول القاعة أحيانًا إلى مشهد أقرب إلى مسرح سياسي؛ رئيس يتكلم، والوفد الذي لا يعجبه الكلام يجمع أوراقه ويخرج.

ترامب هاجم كوبا في خطابه، فانسحب الوفد الكوبي من القاعة. وأثناء خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي وجه انتقادات حادة لإسرائيل بسبب غزة وانتقد عجز الأمم المتحدة نفسها، غادر الوفد الإسرائيلي القاعة. وفي اليوم التالي، عندما تحدث الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أمام الجمعية العامة، غادر الممثل الأميركي الموجود في القاعة. يعني ببساطة: كل طرف يأتي ليقول كلمته، والطرف الآخر الذي لا يعجبه الكلام يخرج.

والأمر ليس جديدًا. ففي دورة الجمعية العامة السابقة، يوم 26 سبتمبر 2025، وقع واحد من أكثر المشاهد لفتًا للانتباه؛ عندما صعد بنيامين نتنياهو إلى المنصة، غادر عشرات المندوبين القاعة، وبقيت أعداد كبيرة من المقاعد فارغة أثناء خطابه. رويترز وثقت الانسحاب الجماعي بوضوح. وهنا تصبح المفارقة ساخرة فعلًا: المنظمة التي من المفترض أن تكون آخر مكان يجلس فيه الخصوم للاستماع لبعضهم، تتحول أحيانًا إلى مكان يخرج منه الخصم قبل أن يسمع الطرف الآخر.

وللتوضيح حتى لا نخلط بين السنوات: هذا الانسحاب الكبير حدث في دورة 2025. أما ونحن نكتب يوم 24 سبتمبر 2026، فإن نتنياهو كان مقررًا أن يلقي خطابه في الجمعية العامة يوم الخميس.

ومع احترامي لموقف أردوغان والرئيس الإيراني في طرح ما يريدان طرحه من على المنصة، السؤال الأكبر يبقى: أين الحوار الذي يفترض أن هذه المنظمة وُجدت من أجله؟ إذا أصبح الأسلوب هو أن أتكلم أنا، وعندما يأتي دورك أخرج من القاعة، فما الفرق بين هذا وبين مشاجرة سياسية ضخمة يدفع العالم تكلفتها؟

ثم تأتي لعبة التأشيرات. الرئيس الفلسطيني محمود عباس مُنع من الحصول على تأشيرة أميركية لحضور الجمعية العامة، بينما يستطيع بنيامين نتنياهو الوصول إلى نيويورك رغم وجود مذكرة توقيف صادرة بحقه من المحكمة الجنائية الدولية منذ نوفمبر 2024 تتعلق باتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهي اتهامات قضائية وليست إدانة نهائية. وحتى عبد الفتاح البرهان دخل ملفه في لعبة التأشيرات والخلاف السياسي حول مشاركته.

لكن خلوني نرجع إلى بلادي ليبيا، لأن الصورة تصبح أكثر عبثية عندما تنظر إليها من هنا. ليبيا ما زالت تعيش انقسامًا سياسيًا ومؤسساتيًا، وضغوطًا اقتصادية وتراجعًا في الخدمات، بينما ما زلنا منذ سنوات نسمع في المحافل الدولية نفس الكلمات: الاستقرار، المصالحة، الانتخابات، توحيد المؤسسات، بناء الدولة… ثم نرجع إلى الواقع ونجد أن المشاكل نفسها ما زالت مكانها.

وأنا أكتب هذا المنشور يوم 24 سبتمبر 2026، عندنا أطفال كان المفروض أن يكونوا داخل فصولهم الدراسية، لكن الدراسة لم تنتظم في عدد من المدارس بسبب اعتصامات المعلمين ومطالبهم المالية والوظيفية. المعلم يقول إن مرتبه وظروفه لم تعد تكفي، وولي الأمر يقول نبي ولدي يقرا، والطفل لا علاقة له بالخلاف كله، لكنه في النهاية هو الذي يدفع الثمن.

الحكومة تعقد اجتماعات وتصدر تصريحات، لكن الأزمة لم تجد حتى الآن حلًا كاملًا يعيد الدراسة بصورة طبيعية في كل المدارس المتأثرة. وفي نفس الوقت، ليبيا حاضرة في نيويورك برئيس المجلس الرئاسي ووزراء ومستشارين ووفد رسمي للمشاركة في أعمال الأمم المتحدة.


وهنا سؤالي كمواطن ليبي بسيط جدًا: ماذا سيعود به هذا الوفد إلى المواطن؟

صورة نُشرت، ولا من صافح من في ممرات الأمم المتحدة، ولا كم كلمة قيلت أمام الكاميرات. ماذا سيعود إلى الطفل الذي لم يدخل فصله؟ ماذا سيعود إلى المعلم الذي يطالب بتحسين وضعه؟ ماذا سيعود إلى المواطن الذي يعيش مشاكل الكهرباء والأسعار والخدمات؟ وما الذي عاد علينا من سنوات الاجتماعات الدولية التي تتحدث عن إنهاء الانقسام الليبي بينما الانقسام نفسه مستمر؟

أنا لا أقول إن ليبيا لا يجب أن تشارك في الأمم المتحدة. بالعكس، ليبيا دولة ويجب أن يكون لها حضور وتمثيل وعلاقات دولية. لكن السفر الرسمي في حد ذاته ليس إنجازًا، والاجتماعات والصور والمصافحات لا تصبح قيمة سياسية إلا عندما نرى أثرًا واضحًا لها داخل البلاد.

المواطن الليبي لا يعيش في ممرات الأمم المتحدة ولا في فنادق نيويورك. المواطن يعيش في طرابلس وبنغازي وسبها ومصراتة والزاوية ودرنة والكفرة وغات. يعيش أزمة المدرسة والمرتب والكهرباء والأسعار والصحة والخدمات، وهذه هي الأشياء التي يقيس بها نجاح المسؤول، وليس بعدد الرحلات والاجتماعات والصور.

وهنا أرجع إلى الأمم المتحدة نفسها. إذا كانت المنظمة التي أُنشئت لمنع الحروب أصبحت عاجزة عن إيقاف كثير منها، وإذا كانت الجمعية العامة تتحول كل سنة إلى خطابات وانسحابات وتبادل اتهامات، وإذا كان مجلس الأمن يمكن أن يُعطل بالفيتو، فمن الطبيعي أن يسأل المواطن في غزة أو السودان أو أوكرانيا أو ليبيا: ماذا تغير في حياتي بعد كل هذه الاجتماعات؟

ولا بد من التفريق؛ الأمم المتحدة ليست فقط مجلس الأمن والجمعية العامة. هناك وكالات إنسانية وعاملون يقدمون الغذاء والدواء والإغاثة لملايين البشر، وهذا عمل لا يمكن إنكاره. نقدي هنا موجه أساسًا إلى النظام السياسي الدولي وآليات اتخاذ القرار فيه.

لأننا وصلنا إلى مفارقة مؤلمة: نجمع قادة العالم لمناقشة كيفية إيقاف الحروب، والحروب مستمرة. نتحدث عن القانون الدولي، ثم نختلف حتى على من يحصل على تأشيرة للدخول. نتحدث عن الحوار، ثم ينسحب الوفد عندما يسمع كلامًا لا يعجبه. ونتحدث في نيويورك عن التنمية والاستقرار في ليبيا، بينما بعض أطفالنا في 24 سبتمبر ما زالوا ينتظرون أن تفتح مدارسهم بصورة طبيعية.

هذه بالنسبة لي ليست فقط أزمة الأمم المتحدة، بل أزمة عالم أصبح فيه الخطاب أسرع من الفعل، والصورة أهم من النتيجة، والمؤتمر أسهل من الحل.

ولو تحول جزء أكبر مما يُصرف على هذه المهرجانات السياسية والمواكب والبروتوكول إلى غذاء ودواء وتعليم ومساعدة حقيقية للناس المتضررين من الحروب والكوارث، ربما يشعر الإنسان العادي على الأقل أن العالم فعل شيئًا ملموسًا من أجله.

لأن الطفل الذي ينتظر مدرسته في ليبيا لا تهمه صورة مسؤول ليبي في نيويورك، والإنسان الموجود تحت القصف لا تهمه بلاغة خطاب زعيم على منصة الأمم المتحدة.


في النهاية، السؤال الذي يهم الناس ليس: ماذا قلتم في نيويورك؟

السؤال هو: ماذا فعلتم فعلًا؟

مشاركة المقال

 


شارك
✓ تم نسخ النص