Loading... | ... | 00:00

الذكاء الاصطناعي أمام مجلس الأمن: من يملك المستقبل ولمن ستعمل هذه التكنولوجيا؟

مشاركة

 


عندما يصل سام ألتمان وداريو أمودي ويوشوا بنجيو وكليمان ديلانغ إلى مجلس الأمن للحديث عن مخاطر الذكاء الاصطناعي، فنحن لم نعد أمام نقاش تقني يخص المبرمجين وشركات التكنولوجيا فقط، بل أمام قضية قوة ونفوذ وأمن دولي، وفي الوقت نفسه أمام فرصة تاريخية قد تغير حياة ملايين البشر.

وأقول هذا من زاوية شخصية جدًا: أنا شخص من ذوي الإعاقة، ولهذا أرى في تطور الذكاء الاصطناعي جانبًا آخر لا يقل أهمية عن الحديث عن مخاطره. بالنسبة لكثير من الأشخاص ذوي الإعاقة، الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطبيق للدردشة أو أداة لزيادة الإنتاجية، بل يمكن أن يعني استقلالية أكبر في الحياة اليومية، والوصول إلى المعلومات، والتواصل، والعمل، والتعلم، والتحكم في الأجهزة، وفهم البيئة المحيطة.

التعرف على الصوت، وتحويل الكلام إلى نص والعكس، ووصف الصور والمشاهد، والترجمة الفورية، والواجهات الذكية والتقنيات المساعدة، كلها أمثلة على كيفية تقليل التكنولوجيا لبعض الحواجز. وبالنسبة لشخص من ذوي الإعاقة، قد يكون الفرق بين تقنية عادية وتقنية مصممة للجميع هو الفرق بين الحاجة المستمرة إلى مساعدة الآخرين وبين مساحة أكبر من الاستقلالية.

ولهذا عندما نتحدث عن تنظيم الذكاء الاصطناعي، يجب ألا يكون السؤال فقط: كيف نحمي البشر من مخاطره؟ بل أيضًا: كيف نضمن أن تصل فوائده إلى الجميع؟ ومن يملك حق تقرير مستقبل هذه التكنولوجيا؟ فعدد محدود من الشركات والدول يمتلك اليوم جانبًا كبيرًا من البنية الحاسوبية والخبرة ورؤوس الأموال التي تقود هذا السباق، بينما بقية العالم يخاطر بأن يتحول إلى مجرد مستخدم لما يصنعه الآخرون.

وهنا يأتي السؤال الذي يعنيني أيضًا كليبي: أين ليبيا من هذا التحول؟ ليبيا أعلنت في يونيو 2026 استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي حتى عام 2030، تتضمن أهدافًا مرتبطة برقمنة الخدمات الحكومية، وبناء القدرات، ودعم الشركات الناشئة واستخدام حلول الذكاء الاصطناعي داخل مؤسسات الدولة. هذه بداية مهمة، لكن الاستراتيجية وحدها لا تكفي؛ المطلوب أن نرى مشاريع حقيقية على الأرض، وميزانيات واضحة، وكفاءات وطنية، ونتائج يمكن قياسها، بدل أن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى عنوان جديد يضاف إلى المؤتمرات والخطط.

وأتمنى أن يكون الأشخاص ذوو الإعاقة ضمن هذه المشاريع منذ البداية. وأنا أدرك أن لدينا في ليبيا أولويات أساسية لم تُحسم بعد كما ينبغي؛ من سهولة الوصول إلى المباني والمواصلات، إلى الخدمات والتعليم والمعلومات والبيئة الرقمية. لكن وجود هذه المشكلات لا يعني أن ننتظر حلها كلها قبل دخول عصر الذكاء الاصطناعي. بالعكس، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح جزءًا من الحل إذا صُممت مشاريعه منذ البداية وفق مبدأ الوصول الشامل.

الأمم المتحدة تعتبر سهولة الوصول ليست فقط مسألة مبانٍ ومنحدرات، بل تشمل أيضًا المعلومات والاتصالات والتقنيات والخدمات الرقمية، وتؤكد ضرورة تصميم التكنولوجيا بصورة ميسّرة منذ المراحل الأولى. وهذا بالضبط ما أريده عندما تبدأ ليبيا في تنفيذ مشاريعها في الذكاء الاصطناعي: ألا يُنظر إلى الأشخاص ذوي الإعاقة في نهاية المشروع ويقال «كيف نكيّفه لهم؟»، بل أن نكون جزءًا من التصميم والتجربة وصنع القرار منذ البداية. 

لا أريد أن تتحول ليبيا مرة أخرى إلى مجرد سوق تستهلك التكنولوجيا. نحتاج إلى مشاريع ليبية حقيقية في الذكاء الاصطناعي تخدم التعليم والصحة والإدارة والخدمات العامة، وتخدم كذلك الأشخاص ذوي الإعاقة: مساعدات صوتية باللغة العربية ولهجاتنا المحلية، خدمات حكومية أكثر سهولة، أدوات للوصول إلى المعلومات، تقنيات مساعدة، وحلول تجعل الاستقلالية أكبر.

الخطر بالنسبة لي ليس فقط أن يصبح الذكاء الاصطناعي أقوى من الإنسان، بل أن تصبح قوة هذه التكنولوجيا أكبر من قدرة المجتمعات على مساءلة من يملكها ويتحكم فيها. وفي المقابل، لا أريد أن يجعلنا الخوف منها نتأخر مرة أخرى عن العالم.

ليبيا تحتاج أن تدخل هذا المجال بجدية، لا كمتفرج ولا كمستهلك فقط، وأن تجعل الإنسان محور التكنولوجيا. وبالنسبة لي، من أهم الاختبارات لذلك أن يكون الأشخاص ذوو الإعاقة جزءًا من هذا المستقبل، لا أن نصل إليه بعد الجميع ثم نطالب بمكان لنا.

لأن السؤال ليس فقط: إلى أي مدى سيصبح الذكاء الاصطناعي ذكيًا؟

بل: إلى أي مدى سيجعل حياتنا أكثر استقلالًا، وأكثر وصولًا، وأكثر إنسانية؟

مشاركة المقال

 


شارك
✓ تم نسخ النص