جاءت الشرارة الأولى لهذا المقال من فكرة طرحها منشور لصفحة Almoushaiti حول مشهد لمسؤولين من الدنمارك وغرينلاند يتحركون بصورة طبيعية في شوارع نيويورك، وما يثيره ذلك من مقارنة مع ثقافة المواكب ومظاهر السلطة التي نراها في ليبيا. والإشارة إلى صاحب الفكرة واجبة، لكن ما أطرحه هنا ليس نقلاً للمنشور ولا إعادة صياغة له، بل محاولة للذهاب أبعد من المشهد نفسه وطرح سؤال أعمق: من أين تستمد الدولة هيبتها؟ من قوة مؤسساتها، أم من حجم الموكب الذي يحيط بمسؤوليها؟
أحياناً تكفي صورة بسيطة لفتح نقاش أكبر من عشرات الخطب. مسؤول رفيع المستوى يمشي في شارع مزدحم، والناس من حوله يواصلون حياتهم، ولا تبدو المدينة وكأن عليها أن تتوقف حتى يمر. بالنسبة لي، ليست القضية أن الدنمارك أو غرينلاند بلا ترتيبات أمنية، ولا أن ليبيا يمكن مقارنتها بهما حرفياً؛ فلكل دولة ظروفها الأمنية والسياسية. القضية هي أن قوة المؤسسة تقلل حاجة المسؤول إلى صناعة هيبة شخصية حول نفسه.
الأرقام تجعل المشهد أكثر إثارة للتفكير. بلغ اقتصاد الدنمارك نحو 462.5 مليار دولار في 2025، وبلغ نصيب الفرد من الناتج نحو 76,970 دولاراً، بينما بلغ اقتصاد غرينلاند نحو 3.33 مليارات دولار في 2024، ونصيب الفرد قرابة 58,499 دولاراً. هذه الأرقام لا تجعل أي مجتمع مثالياً، لكنها تتحدث عن مجتمعات مرتفعة الدخل تستطيع مؤسساتها أن تمنح المنصب ثقله من دون حاجة دائمة إلى استعراض الشخص الذي يشغله.
في الدولة المؤسسية لا يحمل الوزير الدولة معه أينما ذهب، لأن الدولة موجودة قبله وستبقى بعده. لا يحتاج القانون إلى صورته حتى يُحترم، ولا يفترض أن تتوقف الإدارة بتغير اسمه، ولا تصبح الوزارة مهمة فقط لأن شخصاً معيناً يجلس في مكتبها. عندما تكون المؤسسة أكبر من الشخص، تصبح هيبة المسؤول امتداداً لهيبة الدولة، لا بديلاً عنها.
ثم نعود إلى ليبيا، الدولة النفطية التي لا يزال المواطن فيها في سبتمبر 2026 يتحدث عن الكهرباء والوقود والخدمات الأساسية. قبل أيام فقط، وثقت رويترز أزمة الكهرباء والوقود وتأثيرها على المواطنين وأصحاب الأعمال، ونقلت تقديراً بأن خسائر تهريب وتحويل الوقود تصل إلى نحو 6.7 مليارات دولار سنوياً. وفي يوليو الماضي خرجت احتجاجات بسبب انقطاعات الكهرباء التي وصلت، بحسب Euronews، إلى 14 ساعة يومياً في بعض الفترات، قبل أن تتسع المطالب السياسية في مناطق من الشرق والغرب.
وسط هذا الواقع، يصبح الموكب أكثر من مجرد سيارات سوداء وحراسات وزجاج مظلل. المواطن يبدأ تلقائياً في مقارنة حجم السلطة التي يراها أمامه بحجم الإنجاز الذي يراه في حياته. والسؤال هنا ليس: لماذا لدى المسؤول حماية؟ بل: ماذا أنجز هذا المسؤول؟ هل أصبحت الكهرباء أكثر استقراراً؟ هل تراجعت أزمة الوقود؟ هل أصبحت الإدارة أسرع وأكثر عدلاً؟ هل يستطيع المواطن الحصول على خدمة دون واسطة؟ وهل أصبحت مؤسسات الدولة أقوى من الأشخاص والجماعات؟
سبق أن عبّرت عن جانب آخر من الفكرة في تعليق وجهته إلى السيد الطاهر السني. قلت له، بكل احترام، إن بعض الخطاب الرسمي القادم من نيويورك يجعلني أحياناً أشعر وكأننا نستمع إلى خطاب صادر من داخل «بلاط» يرى دولة مختلفة عن الدولة التي يعيش فيها المواطن. لم يكن المقصود المقارنة التاريخية الحرفية مع البلاط الفرنسي، بل استعارة للتعبير عن خطر انفصال الخطاب الرسمي عن الواقع؛ أن نتحدث عن دولة مزدهرة ومستقرة في الخارج، بينما يرى المواطن في الداخل صورة أخرى عندما يخرج من بيته في طرابلس أو بنغازي أو سبها.
الدبلوماسي بالتأكيد مطالب بالدفاع عن بلده وتقديمه بصورة محترمة، لكن الدفاع عن الدولة لا يعني تجميل كل شيء. أحياناً يكون الاعتراف بالمشكلة أكثر وطنية من إخفائها، لأن الدولة الواثقة من نفسها تستطيع أن تقول: لدينا أزمة، وهذه أسبابها، وهذا ما نفعله لمعالجتها. أما حين يتحول الخطاب إلى صورة مثالية لا يتعرف عليها المواطن، فإن الفجوة بين دولة الخطاب ودولة الواقع تبدأ في الاتساع.
وهذه الفجوة لا تظهر فقط في نيويورك، بل يمكن أن نراها أيضاً في الداخل: في البروتوكول، وفي الحاشية، وفي ثقافة الألقاب، وفي بعض المواكب التي تجعل المسؤول يبدو وكأنه يعيش داخل دائرة منفصلة عن حياة الناس. وأحياناً تشعر أن الدولة تُقدَّم وكأنها بلاط أميري، بينما جوهر الدولة الحديثة مختلف تماماً: المسؤول موظف عام مهما علا منصبه، وقيمة موقعه تأتي مما يقدمه للمواطن وليس من مقدار المسافة التي يصنعها بينه وبين الناس.
ومن الضروري هنا أن نكون منصفين. ليبيا ليست الدنمارك من الناحية الأمنية. انتشار السلاح والانقسام والصراعات السابقة يجعل حماية بعض المسؤولين ضرورة حقيقية. لذلك فالنقد ليس للحماية الأمنية في حد ذاتها؛ الفرق كبير بين حماية المسؤول واستعراض المسؤول. الأولى غايتها تقليل المخاطر، أما الثانية فتحول الحماية والمركبات والبروتوكول إلى رموز للمكانة.
وفي البيئات التي تضعف فيها المؤسسات، قد يصبح الشكل بديلاً عن المضمون: مكتب أكبر، لقب أطول، حاشية أوسع، عدد أكبر من السيارات، صور أكثر وبروتوكول أثقل. كل ذلك يستطيع أن يصنع انطباعاً بالقوة للحظات، لكنه لا يستطيع أن يصنع مؤسسة قوية. يمكن للمسؤول أن يبدو شديد الأهمية وهو يدخل إلى مكتبه، لكن السؤال الحقيقي يبدأ بعد أن يغلق الباب خلفه: ماذا تغير في حياة الناس بسبب وجوده في هذا المكتب؟
وربما أكثر الصور اختصاراً للمفارقة هي صورة المواطن الذي يقف جانب الطريق في انتظار مرور موكب. قد يكون هذا المواطن نفسه قد عانى انقطاع الكهرباء، أو انتظر الوقود، أو أمضى أسابيع وراء معاملة حكومية. ثم يُطلب منه أن ينتظر مرة أخرى حتى يمر مسؤول يفترض أساساً أن وظيفته هي إدارة المؤسسات التي يعاني المواطن من ضعفها. عندها تصبح الصورة، من دون أي خطاب سياسي: المواطن ينتظر… والمسؤول يعبر.
المشكلة ليست في أن يمشي المسؤول على قدميه أو يركب سيارة مصفحة؛ هذه تفاصيل لا تصنع النجاح أو الفشل وحدها. السؤال الحقيقي هو: هل المسؤول جزء من الدولة، أم أصبحت الدولة في بعض الأحيان جزءاً من صورة المسؤول؟
الدولة الناضجة هي التي يستطيع فيها المواطن الحصول على خدمته حتى لو لم يعرف اسم الوزير. يتغير الوزير وتبقى المؤسسة، يتغير المدير وتستمر المعاملة، وتتغير الحكومة ولا تتوقف الدولة. هذه، بالنسبة لي، هي الهيبة الحقيقية. ليس أن يصبح المسؤول بلا قيمة، وإنما أن تكون المؤسسة أكبر من الشخص الذي يشغل المنصب.
لهذا نحن في ليبيا لا نحتاج إلى مسؤولين أصغر، بل إلى دولة أكبر. هيبة من يدير قطاع الكهرباء تظهر في استقرار الكهرباء. وهيبة من يدير الوقود تظهر في وصوله إلى الناس وحماية المال العام. وهيبة الحكومة تظهر في القانون والخدمة والمحاسبة. وهيبة من يمثل ليبيا في الخارج تكون أقوى عندما تصبح الصورة التي يقدمها في نيويورك أقرب إلى الواقع الذي يراه الليبي عندما يخرج من بيته.
ليبيا تستحق صورة محترمة في الخارج، بلا شك، لكنها تستحق قبل ذلك واقعاً يستطيع المواطن أن يتعرف من خلاله على تلك الصورة. لا تعارض بين الدبلوماسية والواقعية، ولا بين الوطنية والاعتراف بالمشكلات. بل ربما تبدأ الوطنية الحقيقية عندما نتوقف عن التعامل مع النقد وكأنه إساءة إلى الدولة، ونبدأ في اعتباره محاولة لجعل الدولة أفضل.
ومن هنا بقي السؤال الذي بدأ من ذلك المنشور البسيط: من يحتاج إلى مظاهر القوة أكثر؛ المؤسسة القوية، أم الشخص الذي يحتاج باستمرار إلى إقناع الآخرين بقوته؟
حين تكبر المؤسسة، يستطيع المسؤول أن يمشي في الشارع من دون أن يخسر شيئاً من هيبته. وحين تضعف المؤسسة، قد نحاول ملء الفراغ بالمواكب والحراسات والألقاب والصور والخطابات.
لكن كل ذلك لا يبني دولة.
فالإنجاز هو الموكب الوحيد الذي يبقى بعد أن تغادر السيارات الطريق… والواقع هو الصورة التي لا تستطيع العلاقات العامة تجميلها إلى الأبد.
إشارة واجبة: جاءت الشرارة الأولى لهذا المقال من فكرة طرحها منشور لصفحة Almoushaiti Centerforstrtategicpolicy، والإشارة إليها تقدير لصاحب الفكرة. أما النص والتحليل والتوسع فهي معالجة مستقلة.
