Loading... | ... | 00:00

مشروع زيرو (Zero Project)من فيينا إلى العالم: حينما تلتقي التكنولوجيا بالحقوق في ZeroCon26

مشاركة


 في خضم التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم، تبرز الحاجة الملحة لإعادة تعريف مفاهيم الإعاقة بعيداً عن القوالب التقليدية. لم تعد القضية مجرد مطالبة بالحقوق عبر البيانات المكتوبة، بل تحولت إلى سباق نحو الابتكار لانتزاع هذه الحقوق عملياً.

من هذا المنطلق، يمثل مؤتمر "مشروع زيرو" (Zero Project Conference) الذي سينعقد في الفترة من 18 إلى 20 فبراير 2026 في مقر الأمم المتحدة بفيينا، علامة فارقة في الروزنامة الحقوقية العالمية. إنه الحدث الذي لا يكتفي بتشخيص المشاكل، بل يقدم "بنكاً" من الحلول المبتكرة.

الجذور التاريخية: رؤية مؤسسة إيسل

لفهم أهمية هذا الحدث، علينا العودة إلى الجذور. انطلق مشروع زيرو في عام 2008 بمبادرة من "مؤسسة إيسل" (Essl Foundation) النمساوية، التي أسسها مارتن إيسل وعائلته. كانت الرؤية منذ البداية واضحة ومختلفة عن السائد: الانتقال من العمل الخيري التقليدي إلى الاستثمار في الابتكار الاجتماعي.

فلسفة التسمية بـ "زيرو" (Zero) تحمل دلالة عميقة تهدف للوصول إلى عالم يتميز بـ:

صفر حواجز أمام الأشخاص ذوي الإعاقة.

صفر إقصاء اجتماعي أو اقتصادي.

التطبيق الكامل والفعلي لبنود اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD).

يعتمد المشروع منهجية بحثية دقيقة تقوم على دورة رباعية السنوات، يتم فيها التركيز كل عام على أحد المحاور الأساسية: التعليم، الحياة المستقلة، التوظيف، وإتاحة الوصول (Accessibility). هذه المنهجية جعلت من المشروع مرجعية عالمية لصناع القرار والمبتكرين.

فيينا 2026: رسالة رئاسية تضع الابتكار في القلب

في نسخة هذا العام (ZeroCon26)، وضعت النمسا ثقلها السياسي والمعنوي خلف هذا الحدث. وقد تجلى ذلك في الرسالة الترحيبية للرئيس النمساوي ألكسندر فان دير بيلين، التي وجهها للمشاركين.

في كلمته، أكد الرئيس النمساوي على معادلة جوهرية قائلاً إن مشروع زيرو يجمع بين الدمج والابتكار، معتبراً أن كلاهما ضروري للمجتمع وللمستقبل. لم يكن حديثه مجرد عبارات دبلوماسية، بل استشهد بنماذج عملية عاينها بنفسه في الدورة السابقة، مشيراً إلى مشاريع القهوة التي يتم إنتاجها والمتاجرة بها بشكل عادل، مما يعزز الاستقلال الاقتصادي.

كما تطرق الرئيس إلى نقطة تلامس واقعنا في ليبيا ودول ما بعد النزاع بشكل مباشر، وهي الحلول التقنية للأطراف الصناعية ميسورة التكلفة الموجهة لضحايا الألغام الأرضية. هذا الربط بين التكنولوجيا والاحتياجات الإنسانية الملحة هو ما يجعل مشروع زيرو منصة لا غنى عنها.

أصوات ملهمة تقود التغيير

يتميز جدول أعمال المؤتمر لهذا العام بجمع نخبة من العقول التي تمزج بين الخبرة الحقوقية والبراعة التقنية. ومن أبرز الأسماء التي تستحق المتابعة:

  1. مارتن إيسل (Martin Essl): المؤسس الذي حول الرؤية إلى واقع عالمي، حيث يركز دائماً على الشراكات الدولية لتعميم الفائدة.
  2. محمد ضوافي (Mohamed Dhaouafi): الرئيس التنفيذي لشركة Cure Bionics من تونس. يمثل ضوافي نموذجاً للشباب المغاربي المبتكر في مجال الأطراف الصناعية الذكية، مؤكداً أن منطقتنا قادرة على تصدير الحلول لا استهلاكها فقط.
  3. د. أنتوني جيانوميس (Dr. Anthony Giannoumis): الخبير في مجال القيادة الشاملة، والذي يطرح آليات عملية لتمكين ذوي الإعاقة من المناصب القيادية.
  4. أبيا أكرم (Abia Akram): الناشطة التي تسلط الضوء على التقاطعات الحرجة بين حقوق المرأة وحقوق ذوي الإعاقة في التنمية.


ماذا يعني هذا للمشهد الليبي؟

إن متابعة مخرجات هذا المؤتمر ليست ترفاً معرفياً، بل ضرورة ملحة للواقع الليبي. نحن بحاجة لاستنساخ هذه التجارب وتوطينها:

أولاً: الاستفادة من التكنولوجيا المساعدة (Assistive Tech) لدعم استقلالية الأشخاص ذوي الإعاقة الحركية والبصرية في ليبيا، خاصة ضحايا الحروب ومخلفاتها.

ثانياً: تبني "النموذج الاجتماعي" في مؤسساتنا، بحيث نركز على إزالة العوائق البيئية بدلاً من التركيز على العجز الفردي.

ثالثاً: تشجيع المبتكرين الليبيين في كليات الهندسة والتقنية على توجيه مشاريعهم نحو حلول الإتاحة والوصول.

العالم يتحرك بسرعة نحو الدمج الشامل المعتمد على التكنولوجيا. ومشاركتنا في هذا الحراك، ولو عن بعد، هي الخطوة الأولى نحو بناء مجتمع ليبي يضمن الحقوق ويصون الكرامة، ليس بدافع الشفقة، بل بقوة القانون والابتكار.

مشاركة المقال
if (!tooltip.contains(e.target) && window.getSelection().isCollapsed) { hideTooltip(); } }); })(); // ]]>