صدر مؤخراً تقرير "مؤشر مدركات الفساد" (CPI) لعام 2025 عن منظمة الشفافية الدولية، وكما جرت العادة في السنوات الأخيرة، لم تكن الأخبار سارة. صورة واحدة، قائمة حمراء، واسم ليبيا يقبع في ذيل الترتيب برصيد 13 نقطة من أصل 100.
قد يمر هذا الرقم على البعض كخبر عابر في نشرة اقتصادية، لكنني كمدون حقوقي، أقرأ في هذا الرقم قصة أخرى تماماً. الرقم (13) ليس مجرد إحصائية؛ هو مقياس للألم، وهو مؤشر للحواجز التي تُبنى يومياً أمام المواطن، وخاصة الأشخاص ذوي الإعاقة.
ماذا يعني أن نحصل على 13/100؟
ببساطة، المؤشر يقيس نزاهة القطاع العام:
الصفر (0): يعني فساداً مطلقاً.
المائة (100): تعني نزاهة تامة.
حصولنا على 13 يضعنا في المنطقة "شديدة الفساد"، جنباً إلى جنب مع دول تعاني من انهيار مؤسسي كامل مثل فنزويلا والصومال. هذا يعني أن الرشوة، المحسوبية، غياب المساءلة، وسرقة المال العام ليست حوادث فردية، بل هي جزء من النظام.
الفساد: العدو الخفي للحقوق
نحن نتحدث كثيراً عن "النموذج الاجتماعي للإعاقة"، الذي يقول إن الإعاقة ليست في جسد الشخص، بل في البيئة المعيقة التي يفشل المجتمع في تذليلها. هنا، يلعب الفساد دور "مهندس الحواجز" بامتياز:
1. البنية التحتية المغشوشة
عندما تُرسي عطاءات الطرق والمباني العامة بالرشوة لا بالكفاءة، تكون النتيجة:
طرقات بلا أرصفة آمنة.
مباني حكومية بلا منحدرات (Ramps).
مصاعد معطلة لأن عقود الصيانة كانت وهمية.
الفساد هنا يسلبني حقي في الحركة والتنقل باستقلالية.
2. التعليم والصحة.. ثقوب سوداء
الميزانيات الضخمة التي تُرصد لقطاعي التعليم والصحة، أين تذهب؟ الرقم (13) يخبرنا أنها تتسرب. هذا التسرب يعني غياب "غرف المصادر" للطلاب ذوي الإعاقة، ويعني نقص الأدوية والمعدات الطبية الأساسية. الفساد يقتل الفرص التعليمية ويقوض الحق في الصحة.
3. التوظيف.. عندما تقتل "الواسطة" الكفاءة
القوانين الليبية تضمن نسب تشغيل للأشخاص ذوي الإعاقة. ولكن في بيئة فاسدة، القانون لا يسود، بل تسود العلاقات الشخصية والمحسوبية (الواسطة). الفساد يحرم الكفاءات من حقوقهم الوظيفية، ويجعل الوظيفة العامة غنيمة وليست خدمة.
الحل يبدأ بالاعتراف والرقمنة
لا يمكننا الاستمرار في تجاهل الفيل الموجود في الغرفة. تحسين هذا الرقم ليس ترفاً دولياً لتحسين سمعتنا، بل هو ضرورة قصوى لحياة كريمة.
التحول الرقمي (الحل التقني): بصفتي مهتماً بالتقنية، أؤمن أن "الرقمنة" هي العدو الأول للفساد. تقليل الاحتكاك البشري في المعاملات الحكومية، والدفع الإلكتروني، والشفافية في البيانات، كلها أدوات تقلص مساحة التلاعب.
تفعيل الدور الرقابي: لا بديل عن مؤسسات رقابية قوية وقضاء مستقل لا يخشى في الحق لومة لائم.
الوعي المجتمعي: علينا أن نتوقف عن اعتبار الفساد "شطارة". الفساد سرقة لمستقبلي ومستقبلك.
ليبيا تستحق أكثر من 13 نقطة. وشبابها، نساؤها، والأشخاص ذوي الإعاقة فيها يستحقون دولة مؤسسات تحميهم لا دولة فساد تفقرهم. الطريق طويل، لكن الخطوة الأولى هي أن نرفض هذا الواقع، وأن نسمي الأشياء بمسمياتها.