Loading... | ... | 00:00

الإعلام الرياضي البارالمبي في دائرة التضليل: أزمة المصداقية وصناعة الوهم

مشاركة

 

على الرغم من وجود نماذج إعلامية وطنية تعمل بمهنية عالية، إلا أن ظاهرة "التضليل المعلوماتي" التي بدأت تتسلل إلى بعض المنصات الرسمية للاتحادات والجهات الرياضية في ليبيا باتت تمثل معضلة تستوجب التوقف والمراجعة. هذه الممارسات، وإن لم تكن نهجاً عاماً، إلا أنها تتجاوز مجرد الأخطاء المهنية العابرة لتؤثر سلباً على مصداقية المؤسسة الرياضية في وعي الجمهور.

ولعل من أبرز مظاهر هذا الخلل هو طغيان "التوثيق المكتبي" على "العمل الميداني"، حيث يتم إغراق المنصات بصور الاجتماعات الإدارية الروتينية والمملة على حساب تغطية النشاط الرياضي الفعلي، مما يرسخ انطباعاً بأن العمل الإداري هو الغاية وليس الوسيلة. هذا السلوك، المصحوب أحياناً بنشر بيانات غير دقيقة أو صياغة منجزات وهمية في عدد من الصفحات الرسمية، يعبر عن ضعف في المنهجية المؤسسية، ويصل في أسوأ حالاته إلى استسهال "التزييف البصري" كأداة للتعويض عن غياب المنجز الحقيقي، وهو ما يعكس عدم ثقة بالنفس وبالقدرات الواقعية، ويدفع تلك الجهات للاختباء خلف واجهات افتراضية مجمّلة.

فجوة المعلومات في عصر التدفق العالمي

في ظل عالم الإنترنت المفتوح، لم يعد الخطاب المحلي يمتلك امتياز احتكار الرواية؛ إذ تتيح الاتحادات الدولية والقارية والمصادر التوثيقية العالمية تدفقاً فورياً للنتائج والإحصائيات الصارمة. وعندما تصطدم السردية المحلية "المجمّلة" بالحقائق الموثقة دولياً، يتولد نوع من "الاغتراب المعلوماتي" لدى المتابع الليبي، مما يؤدي إلى تآكل الرأس مال الرمزي لهذه الجهات، ويحول منصاتها من مصادر مرجعية موثوقة إلى أدوات للدعاية المؤقتة التي تفتقر للاستدامة.

"الوهم البصري": الذكاء الاصطناعي في خدمة التضليل

أحد أخطر تجليات هذا الضعف المهني هو لجوء بعض مديري المكاتب الإعلامية إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتوليد خلفيات صور أو مشاهد وهمية، توحي باحترافية زائفة أو تنظيم لوجستي عالي المستوى لا وجود له على أرض الواقع. هذا السلوك لا يُصنف كـ "تطوير تقني" أو إبداع، بل هو شكل من أشكال التضليل الممنهج؛ حيث يتم استبدال صورة "الواقع الرياضي" المتهالك بصورة "افتراضية" براقة لإيهام الرأي العام بنجاحات تنظيمية وهمية. إن الاعتماد على "الصور المصطنعة" ينم عن اهتزاز الثقة بالهوية المهنية وعجز عن تقديم محتوى بصري حقيقي، ويحول العمل الإعلامي من عملية توثيق أمينة للحدث إلى عملية "صناعة للوهم" تفتقر لأدنى معايير الأمانة الصحفية.

"فخ الميكروفون": الإعلام المسموع وتزييف الوعي

وإذا كان التزييف البصري قد ينكشف بالتدقيق، فإن الإعلام المسموع يمارس أحياناً تضليلاً أشد فظاعة وعمقاً. حيث يلجأ بعض المعلقين ومقدمي البرامج الإذاعية إلى استغلال "سحر الصوت" والنبرة الانفعالية العالية لتمرير مغالطات كارثية، مستفيدين من غياب الصورة المباشرة أمام المستمع. ويمتد هذا التضليل ليشمل تسمية البرامج بمصطلحات عاطفية مثل "ذوي الهمم" وغيرها من الألقاب الرنانة، التي تُستخدم لتعزيز "حالة عاطفية" (Emotional State) لدى الجمهور تطغى على الواقعية والمحاسبة الفنية.

ويصل العبث المهني مداه حين يستضيف المذيع مسؤولاً رياضياً عن لعبة ما -وهو من الأشخاص ذوي الإعاقة- فبدلاً من مساءلته عن خطط اللعبة وتطويرها والمعوقات الفنية، يُهدر وقت البرنامج في سؤاله عن رأيه في تسمية البرنامج بـ "ذوي الهمم" وهل يراها "الأفضل"! هذا التسطيح يختزل قضية رياضة النخبة في مجرد مفاضلة لغوية عاطفية، متجاهلاً الواقع الفني والإداري للعبة، مما يحول الرياضي من بطل يُحاسب بالأرقام إلى "حالة إنسانية" تستجدي التعاطف.

احتلال المنبر: إشكالية "تضارب المصالح"

وتتجلى قمة السقوط المهني في المفارقة العجيبة حين يجمع مقدم البرنامج بين دوره الإعلامي ومنصب تنفيذي حساس (كالأمين العام للجنة البارالمبية أو غيرها). في هذه الحالة، يتحول البرنامج من منصة وطنية عامة إلى "نشرة علاقات عامة" خاصة، تروج لجهة واحدة وتغيب الرأي الآخر والضيوف المعارضين عمداً. إن استغلال قناة ممولة من خزينة الدولة والتي يُفترض أن تكون صوتاً للجميع لتلميع صورة "المذيع/المسؤول" ومؤسسته، يمثل انتهاكاً صارخاً لمبدأ الحياد، ويحول الإعلام العمومي إلى ملكية خاصة تُدار بعقلية البروباغندا الأحادية، حيث يغيب النقد وتحضر المجاملة، ويكون الخصم والحكم شخصاً واحداً.

أزمة الكفاءة: "الدخلاء" وخصوصية الإعلام البارالمبي

إن الجذر الأساسي لهذه المشكلات هو تصدر غير المتخصصين للمشهد، مما يشكل خطراً بالغاً، وتحديداً على الرياضة البارالمبية ذات الخصوصية الفنية العالية. فغياب الفهم العميق للتصنيفات (Classifications) واللوائح لا يقف عند حدود الجهل، بل يدفع نحو المبالغة الفجة في وصف الإنجاز وتضخيمه بغير حق، مما يحول التغطية الإعلامية إلى تزييف للواقع، يظلم البطل ويفرغ انتصاره من قيمته الحقيقية بدلاً من حفظه بأمانة وتوثيقه بدقة.

خارطة الطريق نحو استعادة الثقة

إن استعادة المصداقية المفقودة تتطلب تحولاً جذرياً في فلسفة النشر، تبدأ بـ:

  • إسناد الأمر لأهله: إبعاد الدخلاء والهواة عن إدارة الواجهات الإعلامية للمؤسسات الرياضية الحساسة، واشتراط الإلمام الفني واللوائحي (خاصة في الألعاب الفردية والبارالمبية) كمعيار أساسي للتوظيف.فك الارتباط (منع تضارب المصالح): سن لوائح تمنع الجمع بين المناصب التنفيذية في الاتحادات الرياضية والعمل الإعلامي في القنوات العامة، لضمان حيادية الطرح ونزاهة المساءلة.
  • التأكد قبل النشر: وضع نظام واضح لمراجعة صحة الأخبار والصور من مصادرها الأصلية قبل نشرها، لضمان عدم تمرير أي معلومة مغلوطة.
  • النزاهة البصرية: منع استخدام المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي الذي يغير من حقيقة الأحداث أو بيئتها، والالتزام بالتصوير الواقعي لتوثيق الأنشطة لتعزيز الثقة بالمنجز القائم مهما كان حجمه.
  • الشفافية في الإخفاق: الإقرار بالنتائج كما هي، وتحليلها بمهنية، بدلاً من الهروب إلى صياغات إنشائية أو صور مضللة نابعة من الخوف من المواجهة.

إن الرياضة في جوهرها قيم وأخلاق قبل أن تكون أرقاماً أو خلفيات صور مبهرة، والصدق في نقل المعلومة والبصر هو أولى خطوات الإصلاح الرياضي الشامل. إن صورة الوطن الرياضية أمانة تتطلب ترفعاً عن الانتصارات الوهمية، والالتزام بتقديم الحقيقة كاحترام أدبي للجمهور وتوثيق تاريخي للأجيال القادمة.

مشاركة المقال
if (!tooltip.contains(e.target) && window.getSelection().isCollapsed) { hideTooltip(); } }); })(); // ]]>