نفطنا مرحب به ومواطننا مرفوض: هل هذه هي الشراكة التي تتحدثون عنها؟

 


ما زلت أذكر بوضوح زيارتي للولايات المتحدة في عام 2010، حين كانت أبواب السفارة في طرابلس مفتوحة، وكانت التأشيرة إجراءً ميسراً لا يحمل معه أثقال الرفض والشك المسبق. رحلتي التي انطلقت حينها عبر أمستردام إلى أتلانتا وصولاً إلى أوكلاهوما، لم تكن مجرد سفر عابر، بل كانت معانقة لثقافة كنت ولا أزال مهووساً بها، من سينما وموسيقى وانفتاح حضاري أبهرني كشاب ليبي منفتح على العالم.


من هذا المنطلق الشخصي، وبدافع تلك الذاكرة الجميلة التي اصطدمت بواقع اليوم، تابعت بمرارة المنشور الأخير للسفارة الأمريكية حول "قمة ليبيا للطاقة والاقتصاد" في طرابلس، والاحتفاء بانضمام السيد مسعد بولس. لقد جاء الحديث عن توسيع شراكة "ائتلاف الواحة" مع "كونوكو فيليبس" وتوقيع مذكرة التفاهم لعودة "شيفرون" مليئاً بعبارات "الشراكة الاستراتيجية". ورغم بريق هذه العناوين الاقتصادية، إلا أنها تثير في نفسي تساؤلات مؤلمة: أين ذهبت تلك "الشراكة" الإنسانية التي عشتها في 2010؟ وكيف تحولت العلاقة إلى انتقائية ترحب بالنفط وتنبذ البشر؟

مفارقة شيفرون والجواز الليبي

كيف يستقيم مفهوم "الشراكة العميقة" التي تحتفلون بها اليوم مع سياسة "الأبواب الموصدة" في وجه المواطن الليبي؟

إنكم ترحبون بعودة شركة "شيفرون" إلى أراضينا، وتوسعون أعمال "كونوكو فيليبس" في حقولنا، مما يعني أنكم تثقون في بيئة الأعمال النفطية وفي المؤسسة الوطنية للنفط بما يكفي لضخ الاستثمارات والتكنولوجيا. ولكن في المقابل، لا تزالون تغلقون أبوابكم أمام المواطن الليبي، وتضعون القيود على حريته في السفر إليكم بحجة المخاوف الأمنية أو عدم الثقة في الوثائق.

السؤال هنا: كيف تكون ليبيا "شريكاً اقتصادياً رئيسياً" وآمناً لشركاتكم العملاقة، بينما يُعامل مواطنها كتهديد أمني أو كمشروع مهاجر غير مرغوب فيه؟

سخرية المشهد الدبلوماسي: "مستشار" في ضيافة "رئيس حكومة"

من المضحك المبكي في هذا المشهد الاحتفالي هو غياب التكافؤ البروتوكولي الذي يفضح حقيقة "الشراكة". فبينما تفتح الحكومة الليبية أبوابها على مصراعيها، ويستقبل أعلى هرم في السلطة التنفيذية (رئيس الوزراء) السيد مسعد بولس، نجد أن الضيف الكريم مع الاحترام لشخصه يحمل صفة "مستشار" أو مبعوث، وليس وزيراً للخارجية أو للطاقة في الإدارة الأمريكية.

نعلم جيداً أن الرئيس الأمريكي لن يزور ليبيا، وربما -كما نتهكم بمرارة- لا يعرف موقعها على الخريطة، ولكن في عرف الدول المحترمة، الشراكات الاستراتيجية الكبرى تتطلب تمثيلاً وزارياً رفيع المستوى (وزير خارجية أو وزير طاقة على الأقل). إن قبول الدولة الليبية بهذا المستوى من التمثيل يعكس للأسف ضعف "هيبة الدولة"؛ حيث تبدو الحكومات وكأنها تتحرك كدمى تبحث عن أي اعتراف أو صورة تذكارية تمنحها الشرعية، حتى لو كان ذلك على حساب البروتوكول السيادي. إنها رسالة ضمنية أخرى: أنتم لستم ندّاً، بل مجرد ساحة خلفية نرسل لها المبعوثين لإدارة الملفات، لا الوزراء لصناعة التحالفات.

هل الثقة للنفط فقط؟

إن حديثكم عن أن التكنولوجيا الأمريكية عنصر حيوي لاستقرار ليبيا يغفل العنصر الأهم: الإنسان الليبي.

عندما تتحدثون عن الشراكة في قاعات الفنادق الفخمة في طرابلس وتوقعون العقود، بينما يعاني الليبي العادي من "الحظر" الفعلي وصعوبة الإجراءات القنصلية، فإنكم ترسلون رسالة مفادها أن "الثقة" الأمريكية ممنوحة فقط لبرميل النفط وللمنظومة التي تضخه، وليست ممنوحة للدولة بمفهومها الشامل أو لمواطنيها. هل يُعقل أن تثقوا في توقيعات عقود الطاقة طويلة الأمد، ولا تثقوا في جواز سفر المواطن الذي يمتلك هذه الثروة؟

البراغماتية التي لم نعهدها: فساد الحكومات وصفقات الطاقة

تتحدث تقارير الخارجية الأمريكية وتقارير حقوق الإنسان الصادرة عن إدارتكم باستمرار عن "الفساد المستشري" في مفاصل الدولة، وعن الانقسام الحكومي بين الشرق والغرب الذي يعيق البناء. تصفون الوضع في تقاريركم الرسمية بأنه بيئة تفتقر للشفافية وتتحججون بضعف الرقابة المالية وتخبط المصرف المركزي لتبرير سياساتكم الحذرة تجاه ليبيا.

2024 Investment Climate Statements: Libya

ولكن، ألا ترون المفارقة العجيبة هنا؟ هذه "البراغماتية" الأمريكية لم تكن يوماً بهذا التناقض الفج؛ حيث تغضون الطرف عن كل هذا الفساد والانقسام الحكومي عندما يتعلق الأمر بتوقيع عقود الطاقة وتأمين تدفق النفط، وتصافحون نفس الأيادي التي تصفونها في تقاريركم بالفساد.

والمثير للسخرية أن الإعلام الأمريكي نفسه لا يلتفت لهذا التناقض ولا يغطيه، تاركاً الساحة لصفحاتكم الرسمية فقط لتقوم بتضخيم هذه الصفقات والاحتفاء بها كإنجازات دبلوماسية خارقة. يبدو أن الفساد الحكومي والخلاف بين الشرق والغرب يصبح "شأناً داخلياً يمكن التعايش معه" ولا يستحق النقد الإعلامي حينما تكون المصالح النفطية على المحك، ولكنه يتحول فجأة إلى "خطر داهم" ومانع رئيسي حينما يتعلق الأمر بتنقل الليبيين!

رسالة واضحة: نريد شريكاً لا مستثمراً فقط

نقولها بصراحة للدبلوماسية الأمريكية: العالم تغير، والليبيون يدركون جيداً الفرق بين من يريد شراكة الند للند، وبين من ينظر إلينا كخزان وقود.

إن كنتم جادين في وصف ليبيا بـ "الشريك"، فلا تحصروا هذه الشراكة في "ائتلاف الواحة" أو مذكرات التفاهم النفطية. الشراكة الحقيقية تبدأ عندما يُعامل حامل الجواز الليبي بنفس الاحترام الذي تُعامل به براميل النفط الليبي.

نريد أن نكون شركاء في الحضارة، في العلم، وفي التنقل، لا مجرد حراس لآبار النفط التي تمول اقتصادكم بينما نُحرم نحن من زيارة بلادكم.

 إن الترحيب بـ "شيفرون" و"كونوكو فيليبس" سيظل ناقصاً ومشوباً بالشك، ما لم يقابله ترحيب مماثل بالمواطن الليبي في مطاراتكم. الشراكة كلٌ لا يتجزأ؛ إما أن نكون شركاء في كل شيء، أو لا نكون.

أحدث أقدم

 

نموذج الاتصال