الإعلام الليبي والفساد: غياب التحقيقات الاستقصائية وتجارب دولية ملهمة

يلاحظ المتابع للوضع في ليبيا أن الإعلام الليبي يفتقر إلى التحقيقات الاستقصائية التي تكشف الفساد المنتشر في البلاد. هذا يثير التساؤلات حول مدى حرية وسائل الإعلام واستقلالها. هل تتعرض هذه المؤسسات لضغوط من جهات فاسدة أو دول ذات مصالح في ليبيا؟ أو ربما تفتقر إلى الخبرة في التحقيقات الاستقصائية؟

لماذا لا تساهم هذه القنوات في كشف الفساد؟

الضغوط السياسية والمالية: العديد من وسائل الإعلام الليبية تواجه ضغوطًا من جهات سياسية ومالية تؤثر على استقلاليتها. هذه الضغوط تمنعها من نشر تحقيقات قد تضر بمصالح تلك الجهات.

نقص الخبرة والتدريب: تفتقر العديد من المؤسسات الإعلامية الليبية إلى الخبرة والتدريب في مجال الصحافة الاستقصائية. هذا النوع من الصحافة يتطلب مهارات خاصة وموارد قد لا تكون متاحة دائمًا.

غياب الدعم المؤسسي: عدم وجود مؤسسات قوية ومستقلة تدعم جهود الصحفيين في التحقيقات الاستقصائية يجعل من الصعب عليهم العمل بحرية وكفاءة.

المخاطر الأمنية: البيئة الأمنية غير المستقرة في ليبيا تشكل خطرًا على الصحفيين الذين يسعون للتحقيق في قضايا الفساد، مما يثني الكثيرين عن الخوض في هذا المجال.

أبرز القنوات الليبية:

قناة ليبيا الأحرار: تُعتبر واحدة من القنوات البارزة في ليبيا، لكنها تركز غالبًا على الأخبار السياسية والأحداث اليومية دون تعمق كبير في التحقيقات الاستقصائية. على الرغم من وجود خبرات ليبية مميزة فيها، إلا أنها لا تُعتبر قناة ليبية بشكل كامل نظرًا لدعمها من ديوان الأمير القطري، مما يؤثر على حرية التعبير فيها بشكل كبير.

قناة ليبيا الوطنية: كقناة حكومية، غالبًا لا تنشر تحقيقات استقصائية قد تكشف فساد المسؤولين الحكوميين، إلا أنها في الأصل تقوم بمهام الدعاية الحكومية وليس لها  صوت آخر غير صوت الحكومة بسبب تمويل الحكومي لها .

قناة سلام: قناة ترفيهية وليست لها برامج سياسية.

قناة الحدث: قناة تبث من بنغازي، وهي مثل قناة ليبيا الوطنية، حيث يوجد صوت واحد فقط فيها.

قناة الوسط WTV: قناة تبث من تونس و لديها ستوديو في بيروت تمويلها غير واضح تهتم القناة بعرض الأخبار والبرامج الترفيهية والثقافية والهوية الليبية.


رومانيا والبرازيل:

تجارب دول مثل رومانيا والبرازيل أظهرت أن الإعلام الحر يمكن أن يلعب دورًا مهمًا في مكافحة الفساد وكشف الحقائق. في رومانيا، على سبيل المثال، ساهمت التحقيقات الاستقصائية في كشف فضائح فساد كبيرة تورط فيها سياسيون رفيعو المستوى، مما أدى إلى إطاحة رئيس الوزراء السابق فيكتور بونتا عام 2015. هذا النجاح كان مدعومًا بمؤسسات مكافحة الفساد مثل المديرية الوطنية لمكافحة الفساد (DNA)، التي عملت بالتعاون مع الصحافة لكشف الفساد ومحاسبة المسؤولين.


أما في البرازيل، فقد كانت الصحافة الاستقصائية محورية في فضيحة "عملية غسيل السيارات" ( Operação Lava Jato‏) التي كشفت عن شبكة واسعة من الفساد والرشاوى داخل شركة النفط الحكومية "بتروبراس". أدت هذه التحقيقات إلى زيادة الوعي العام بالفساد ودعمت الجهود القضائية لمحاسبة المسؤولين، مما نتج عنه إدانة وسجن عدد من الشخصيات البارزة، بما في ذلك الرئيس الأسبق لويس إيناسيو لولا دا سيلفا.

من أبرز الأمثلة على الإعلام الاستقصائي الإيطالي:

جريدة "لا ريبوبليكا" (La Repubblica): كانت واحدة من الصحف الرائدة في التحقيقات الاستقصائية التي كشفت عن الفساد السياسي والاقتصادي في إيطاليا. أسهمت تقاريرها في إطلاع الجمهور على العديد من الفضائح وأدت إلى فتح تحقيقات رسمية ضد المتورطين.


برنامج "ريبوتر" (Report) التلفزيوني: هذا البرنامج الاستقصائي الشهير الذي يبث على قناة "راي 3" (RAI 3) لعب دورًا مهمًا في الكشف عن العديد من قضايا الفساد. تقارير البرنامج المدعومة بالأدلة والشهادات ساهمت في فضح العديد من المخالفات والجرائم الاقتصادية.


جريدة "كورييري ديلا سيرا" (Corriere della Sera): بالإضافة إلى "لا ريبوبليكا"، كانت "كورييري ديلا سيرا" نشطة في تغطية وتحقيق قضايا الفساد. نشرت الصحيفة العديد من التحقيقات التي سلطت الضوء على الفساد في القطاعين العام والخاص.

تجربة إيطاليا:

القاضي أنطونيو دي بيترو في قاعة المحكمة

خلال حملة "الأيدي النظيفةMani Pulite"، كشفت التحقيقات الصحفية والتقارير التلفزيونية عن نظام واسع من الرشوة والفساد في جميع أنحاء الحكومة الإيطالية والقطاع الخاص. كانت هذه التحقيقات مدعومة بجهود قضائية قادها المدعي العام أنطونيو دي بييترو، مما أدى إلى استقالة ومحاكمة العديد من المسؤولين البارزين وتفكيك شبكات الفساد التي كانت متجذرة في النظام السياسي والاقتصادي الإيطالي.

هذه الأمثلة تظهر كيف يمكن للإعلام الحر والمستقل أن يكون قوة فعالة في مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية والمساءلة في الدول. فهل يمكن أن نرى في ليبيا يومًا ما صحافة استقصائية جريئة تساهم في بناء دولة القانون والمؤسسات؟

1 تعليقات

  1. شكرا لك صديقي على إثارة هذا الموضوع الهام والخطير...فالإعلام يطلق عليه "السّلطة الرّابعة" لقدرته على التأثير في الرأي العام وفي السّياسات العامّة وفي تغيير الاتّجاهات والمواقف ... ولذلك تحاول "كلّ" السّلطات الاستحواز والسّيطرة عليه محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا..وهذا ما فعلته القوى المتصارعة في بلادنا.. وما فعلته القوى الإقليميّة في منطقتنا، وما فعلته القوى العالمية في السيّطرة على الإعلام وتوجيه الرأي العام العالمي بما يخدم مصالحها .. كما حاول الإعلام تزييف حقيقة الصّراع الوجودي بين الكيان الصّهيوني والشعب العربي الفلسطيني.. فقد قبل الحقائق حتّى صدّق العالم أن "العين" كانت هي المعتدي على "المخرز" !!!

    ردحذف
أحدث أقدم