الحق في الوصول إلى المعرفة والثقافة ليس ترفاً، بل هو حق أصيل من حقوق الإنسان. من هذا المنطلق الحقوقي، وضمن متابعتي المستمرة لتطورات التقنية المساعدة وإمكانية الوصول الرقمي، نعود لتسليط الضوء على التحديثات الملهمة لمشروع (LIA) الإيطالي، والذي أثبت أن تبني "النموذج الاجتماعي للإعاقة" وإزالة الحواجز البيئية والتقنية هو الطريق الأوحد نحو مجتمع دامج حقاً.
لم يعد (Libri Italiani Accessibili) مجرد مشروع محلي، بل تطور ليصبح مؤسسة غير ربحية (Fondazione LIA) تأسست بجهود مشتركة بين "رابطة الناشرين الإيطاليين" و"الاتحاد الإيطالي للمكفوفين وضعاف البصر"، في تكاتف يعكس التطبيق العملي لمبدأ "لا شيء يخصنا بدوننا". وقد تُوجت جهود هذه المؤسسة مؤخراً باعتراف دولي، حيث فازت بجائزة التميز الدولي لعام 2025 من المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) عن مشروعها (APACE)، الذي يهدف لتأهيل قطاع النشر ليتوافق مع "قانون إمكانية الوصول الأوروبي" (European Accessibility Act) الذي دخل حيز التنفيذ بقوة.
وما يلفت الانتباه حقاً هو القفزة الهائلة التي حققها المشروع نحو تحقيق "الوصول الشامل"؛ فعندما انطلق الموقع، كان يطمح لتوفير آلاف الكتب، لكن اليوم، وبحسب أحدث الإحصائيات الرسمية، تجاوز الكتالوج أكثر من 24 ألف كتاب إلكتروني ميسر. هذه الكتب تغطي مختلف المجالات العلمية والأدبية، ومهيأة بالكامل لدعم استقلالية المكفوفين وضعاف البصر. لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل نجحت المؤسسة في إقناع ودمج 76 دار نشر لتبني سياسات إمكانية الوصول، مع الدفع بقوة نحو تبني مفهوم "وُلد ميسراً" (Born Accessible). وبفضل هذا المبدأ، يتم إنتاج ملفات الكتب بصيغة (EPUB3) لتكون متوافقة مع قارئات الشاشات وأسطر برايل الإلكترونية منذ اللحظة الأولى لتصميمها، دون الحاجة لإنشاء "نسخ خاصة" معزولة لاحقاً.
إن هذه القفزة الرقمية تؤكد أن التزام الدول بالمادة (30) من الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والمتعلقة بحق المشاركة في الحياة الثقافية، يتطلب عملاً تقنياً وتشريعياً ممنهجاً. فالإعاقة الحقيقية تكمن في تصميم المحتوى غير الميسر؛ وحين تُبنى التكنولوجيا على معايير "التصميم الشامل" (Universal Design)، فإنها تحول المستحيل إلى واقع، وتدعم التعليم الدمجي بشكله الحقيقي.
أتمنى أن نرى في عالمنا العربي تبنياً لقوانين ملزمة مشابهة تدفع دور النشر العربية والمؤسسات التعليمية لتبني معايير الوصول الرقمي، لضمان حق الجميع في التثقيف الذاتي والمشاركة المعرفية بلا حواجز أو قيود.