شهدت الساحة البريطانية خلال العام الماضي موجة من الإصلاحات الجذرية والانكماشية التي روجت لها الحكومة آنذاك باعتبارها استجابة حتمية لـ "منظومة مكسورة"، خاصة بعد أن قدرت وزارة العمل والمعاشات البريطانية حجم الإنفاق المتوقع على إعانات العجز والإعاقة للمقاعدين في سن العمل بنحو 55.1 مليار جنيه إسترليني لعام 2025–2026. وكالعادة، كانت برامج الحماية الاجتماعية في مرمى نيران تلك السياسات التقشفية، مما وضع حقوق الفئات الأكثر عرضة للتهميش على المحك. لكن وسط هذا المشهد المليء بالتحديات، برزت نقطة تحول مفصلية تعكس قوة الحراك الحقوقي المنظم، وتؤكد على أن المكتسبات الحقوقية لا تُمنح، بل تُنتزع وتُحفظ بالعمل الجماعي.
فوفقاً للبيانات المنشورة، تضمنت خطة الحكومة قبل التراجع عنها مقترحاً بتعديل شروط الاستحقاق لـ "مدفوعات الاستقلال الشخصي"، من خلال فرض شرط تعجيزي يسمى "قاعدة الـ 4 نقاط" في نشاط واحد من أنشطة الحياة اليومية. وبحسب تحليلات مكتبة مجلس العموم البريطاني ومؤسسة المواطنين، كان هذا التعديل سيؤدي إلى حرمان حوالي 800 ألف شخص من ذوي الإعاقة من هذا الدعم بحلول عام 2029، بخسارة مالية تقدر في المتوسط بحوالي 4,500 جنيه إسترليني سنوياً لكل فرد، إضافة إلى مقترحات بتخفيض "العنصر الصحي" في الائتمان الشامل للمتقدمين الجدد من 97 جنيهاً إسترلينياً إلى 50 جنيهاً أسبوعياً.
ومن منظور "النموذج الاجتماعي للإعاقة"، فإن العائق الحقيقي أمام استقلالية الأشخاص ذوي الإعاقة ليس التحديات الجسدية أو الحسية، بل السياسات والبيئات غير الدامجة. وعندما اقترحت الحكومة المساس بمخصصات أساسية تمس صميم الحياة اليومية، كان الرد حاسماً. فبعد حملة ضغط واسعة النطاق قادها ناشطون حقوقيون ومؤسسات رائدة، تم توجيه رسالة مفتوحة إلى رئيس الوزراء جمعت قرابة 6,000 توقيع، وراسل أكثر من 1,000 ناشط نوابهم في البرلمان خلال وقت قياسي. هذا التحرك المنظم أثمر في الأول من يوليو 2025، حيث أعلن وزير الضمان الاجتماعي والإعاقة رسمياً أمام البرلمان التراجع الكامل عن القرارات التعسفية، وسحب جميع البنود المتعلقة بتخفيض مدفوعات الاستقلال الشخصي وإعانات مقدمي الرعاية من مشروع قانون الائتمان الشامل. وتؤكد هذه الخطوة أن تلك المدفوعات ليست "منحة" أو "إحساناً"، بل هي أدوات لضمان تكافؤ الفرص، وتغطية التكاليف الإضافية التي تفرضها البيئات غير المهيأة، وهو ما يتماشى تماماً مع المادة 28 من الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي تكفل الحق في التمتع بمستوى معيشي لائق وحماية اجتماعية.
ولم يكن هذا الحدث مجرد تعديل قانوني في دولة أوروبية، بل شكل رسالة واضحة عابرة للحدود مفادها أن الأشخاص ذوي الإعاقة ليسوا عبئاً اقتصادياً، بل هم مواطنون فاعلون، وأن توفير الترتيبات التيسيرية المعقولة والدعم المالي هو استثمار في مجتمع دامج ومنتج. كما أثبتت هذه التجربة أن الحقوق لا تُساوَم تحت ضغط الأزمات، ولا يمكن استخدام الانكماش الاقتصادي كذريعة للتنصل من الالتزامات الحقوقية الدولية والمحلية، مؤكدة أن الصوت الجماعي والتنظيم هما السلاح الأقوى في مواجهة أي قرارات تقوض استقلالية وكرامة الأفراد. ويظل الدرس الأهم من هذا كله هو أن مبدأ "لا شيء عنا بدوننا" ليس مجرد شعار نردده في المؤتمرات، بل هو أداة عملية وحقيقية لحماية الحقوق ورسم السياسات؛ فعندما يتنظم أصحاب الشأن، تتهاوى القرارات الفوقية.
أصدقائي وقراء المدونة.. كيف ترون تأثير هذا الحراك المنظم؟ وهل تعتقدون أن مجتمعاتنا العربية والمحلية في ليبيا قادرة على تشكيل قوى ضغط مشابهة لضمان تفعيل القوانين وحماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة من أي تهميش مستقبلي؟ شاركوني تجاربكم وآراءكم في التعليقات، فصوتكم هو بداية التغيير.